هناك مهن علمية وفنية عديدة لا تنطوي على اشكاليات محيرة, ولا تكتنفها غيوم كثيفة او تحف بها مصاعب عسيرة على الحل. فالأمور بالنسبة لاصحاب هذه المهن, كالطب والمحاماة والهندسة, تكاد تكون محسومة تقريبا, لأن ما يقدمه الطبيب او المحامي او المهندس, وما يحصل عليه, محددان بوضوح ولا يشوبهما غموض او ابهام. ولكن الامر مختلف بالنسبة للكاتب في مهنة الصحافة, فهو يسير في متاهات وانفاق مظلمة ويتعثر في سراديب ملتوية, لأسباب عديدة, منها انه لا يستطيع ان يقدم للقراء ما يريد تقديمه بالطريقة التي تروق له, وهو محاصر من قبل العديد من الرقابات, وتتربص به الدوائر, وتمسك بتلابيبه. فهناك بالاضافة الى الرقابة الاعلامية رقابتان اخريان مخفيتان, اجتماعية ودينية. وحتى عندما يجتاز الكاتب عقبة الرقابة بأنواعها المختلفة, تواجهه بعد ذلك مشكلة العلاقة مع الدوريات. فهو قد يزود دورية ما بمقال رائع يتضمن افكارا رفيعة واسلوبا اخاذا, ومع ذلك لا تنشره المجلة, لأنه لا يناسب خطها, ولا يتماشى مع سياستها الصحفية. ونتيجة لذلك وبعد التيقن من عدم نشر مقاله في الدورية, يضطر الكاتب الى اعداد نسخة ثانية من المقال وتجريب حظه مع دورية اخرى, مما يشكل هدرا لجهوده. وهذا يعني ان شهرة الكاتب وجودة مقاله وجمال اسلوبه لا تكفي جميعها كي يأخذ اي انتاج له طريقه الى النشر وحتى عندما يتم نشر المقال, بفضل الانسجام بين مضمونه وبين نهج المجلة, فإن الكاتب لا يحصل في بعض الاحيان, على المردود المادي الذي يتناسب مع جهده, اذا كان هذا الجهد ابتكاريا وليس مجرد تجميع افكار, او صياغة افكار قديمة بعبارات جديدة, او تلخيص فقرات. وبالاضافة الى المشكلات السابقة, هناك مشكلة قد تكون اهمها جميعها, ولا سيما عندما يتعلق الامر بالكاتب الشريف الذي يقرع باب الكتابة من منطلق الرغبة في تحقيق التغيير الايجابي في الاوضاع المحلية والعربية, ويغمس قلمه في مداد المشكلات الحقيقية التي تعاني منها امته, بهدف ايجاد الحلول العملية لهذه المشكلات. فهو في هذه الحالة, يشعر باليأس بسبب عدم قدرة كتاباته على تحقيق التغيير المنشود الذي يصبو اليه. ومما يدعو الى الاحباط انه على الرغم من كل الكتابات النزيهة والادبيات الرائعة التي نشرت في الكتب والصحافة العربية, والتي تدعو الى القضاء على السلبيات والى التغيير نحو الافضل, فإن امور العرب ما زالت على حالها, وفي بعض الاحيان, هناك تراجع الى الوراء. وهذا ما جعل الكثيرين من الكتاب الموجودين يغمدون اقلامهم في اجربتها قبل الاوان, طالما ان كتاباتهم لا تستطيع ان تفعل مفعولها الصحيح. ولكن علينا ان نلاحظ ان الكتابة وان كانت لا تؤدي الى النتائج المرجوة في المدى القريب, فإنه لابد ان يكون لها تأثيرها في المدى البعيد. وما عرضناه حتى الآن يتعلق بالكتابة على نحو عام. واذا انتقلنا الى ميدان الكتابة السياسية نجد الامور اكثر صعوبة بالنسبة الى الكاتب, لأن الرقابة الاعلامية هنا تشتد, كما ان الدورية نفسها لابد ان تتوخى الكثير من الحذر والحيطة قبل ان تسمح للمقال السياسي بأن يأخذ طريقه الى النشر. والاهم من ذلك ان الكاتب عندما يكتب في مجال السياسة, يضطر الى الكتابة ضمن هوامش محددة ليس من السهل تجاوزها. وكثيرا ما ترد الى ذهنه افكار ابداعية غاية في الاهمية, ولكنه لا يستطيع اقتحام معتركها والخوض في معانيها. وهذا يعني انه ليس بوسعه دائما ان يعبر عما يجول في خلده ويعتمل في نفسه. وكثيرا ما يضطر الى صرف النظر عن بعض الحقائق وتجاهلها بهدف المداراة, حتى ييسر لمقالة سبيل النشر, ولكن من واجبه في هذه الحالة, ألا يذهب الى ابعد مما ينبغي في المسايرة لئلا يؤدي هذا الى نسف جميع الاسس الاخلاقية التي تقوم عليها مهنة الصحافة السياسية بكل ما ينتظمها من آداب وقيم. وبتعبير آخر, اذا كانت الظروف تفرض على الكاتب اغفال بعض الجوانب من الحقيقة حتى يوفر لمقاله فرصة النشر, فليس من حقه ان يصل الى حد تشويه هذه الحقيقة, لأن الفائدة من الكتابة في هذه الحالة تنتفي وتتحول الى ضرر. ونستطيع ان نضيف الى الاشكاليات السابقة, ان الابحار في قارب الصحافة السياسية اصعب مما هو في الادبيات العلمية والثقافية, نظرا لأنها لا تخضع دائما لأسس ومعايير موضوعية ومقاييس ثابتة. فهناك تقلبات ومصالح سياسية متبادلة, كثيرا ما تحجب الرؤية الصحيحة عن اعين الكاتب. خلاصة القول, ان مهنة الكتابة ولاسيما في مجال الصحافة السياسية, تنطوي على اشكاليات ومصاعب جمة قلما نجدها في مهن اخرى, مما يجعل الحاجة الى انصاف الكاتب السياسي امرا ملحا, ولا سيما في ضوء المهام الكتابية المعقدة الملقاة على عاتقه. كاتب سوري