كلما تأملت المنجزات الثقافية التي انشأتها الاجيال السابقة وتوقفت امام الصروح الثقافية العظيمة التي شيدتها هذه الاجيال, تداعت الى ذهني اربعة معان اساسية, لا تزال تتكرر الى هذه اللحظة التي اكتب فيها, محاولا ابراز دلالات الانجاز الثقافي الباقي والدائم رغم تعاقب المتغيرات. المعنى الاول يتصل بالعلاقة بين الثقافي والسياسي. وهي علاقة وثيقة بالقطع يتبادل فيها الطرفان التأثر والتأثير بالطبع. لكن يبقى للثقافي فيها وضع اقرب الى الثبات وحال ادنى الى البقاء والاستمرار فالسياسة متغيرة متقلبة والفعل السياسي متبدل متحول وعلى النقيض من ذلك, مع بعض الاحتراز, الثقافة التي تتواصل قيمها وتتأصل احلامها وتهدف بأفعالها الى ما يرتقى بالانسان دائما من مستوى الضرورة الى مستوى الحرية بعيدا عن تحيزاته السياسية او تحيزاته الايديولوجية. ولذلك تبقى انجازات العمل الثقافي ما ظلت مرتبطة بأهدافها الاساسية التي لا يتبدل جوهرها بتبدل الوضع السياسي ولا تتغير بتغير اتجاه الممارسة الايديولوجية لهذه الدولة او تلك. ولست في حاجة الى التذكير بأن الثقافة في حالات كثيرة تصلح ما افسدته السياسة, واننا في اوطاننا العربية بل في علاقتنا بأشباهنا على امتداد العالم كله, نأتلف ثقافيا رغم الاختلافات السياسية التي قد يصل بعضها الى درجة الصراع الدموي. اما المعنى الثاني فيرتبط بالشرط الاول لتحقيق الفعل الثقافي الخلاق وممارسة افعاله الواعدة. وهو شرط التطلع الى المستقبل, وجعل تأمله والتساؤل حول احتمالاته عنصرا تكوينيا من عناصر الثقافة الحية من الثقافة التي لا تنغلق على حاضرها او تتهرب محاكاة ماضيها او اتباعه او تقليده. واحسب ان الوعي المؤرق بالمستقبل على هذا النحو, وما يقترن به من إلحاح على تأصيل اسئلته في بنية الثقافة ونسغها الحي, هو احدى الصفات المميزة في مشروع طه حسين الذي يعد اول مفكر عربي حديث يشغل نفسه بأسئلة المستقبل. لم يكن هذا الوعي مقصورا على كتابه العلامة (مستقبل الثقافة في مصر) الذي اصدره سنة 1938, بعد ان حصلت مصر على استقلالها النسبي من انجلترا المستعمرة وانما هو وعي يمتد الى كتابات المثقف الذي انحاز الى المعذبين في الارض ليحقق لهم عدالة توزيع المعرفة ويمتد هذا الوعي الى افعال الوزير الذي تطلع الى ما بعد استقلال بلده, ورأى في ممارسات العملية آفاق الامكانات الخلاقة لحوار ثقافة بلده مع ثقافات البحر الابيض وحضاراته. ولذلك سبق طه حسين غيره الى الامتداد بأفق العلاقات الثقافية الى اسبانيا التي نشترك معها في تاريخ الماضي, ومشكلات الحاضر, ووعود مستقبل حوض البحر الابيض المتوسط. وكان انجاز المعهد المصري للدراسات الاسلامية في مدريد بعضا من رؤية المستقبل في الوعي الثقافي لطه حسين, وتجسيدا للتطلع الدائم لهذا الوعي الى المضي الآني من الرغبات والممكن الداني من الاحلام. وكأن طه حسين حين انشأ هذا المعهد. كان يرى بعيني خياله تتابع الاجيال المتعاقبة التي رعاها هذا المعهد وكأن طه حسين حين افتتح هذا المعهد كان يحلم بالمستقبل الواعد لعلاقات الثقافة العربية المتأصلة والثقافة الاسبانية المتجددة, تلك العلاقات التي يجسدها اليوم في قاعات هذا المعهد تجاور الباحثات والباحثين والمبدعات والمبدعين العرب مع اقرانهن واقرانهم من الاسبان. ويقودني هذا المعنى الى المعنى الثالث مباشرة وهو معنى يتصل بسر بقاء الانحياز الثقافي الاصيل الذي يبدأ من الحلم بالمستقبل ويفارق الانغلاق على الماضي. انه معنى لم يفارق مشروع طه حسين الذي علمنا ان الاصالة هي الوجه الآخر من المعاصرة. والعكس صحيح بالقدر نفسه وعلمنا ان البحث الخلاق عن جذور الهوية لا ينفصل عن الانفتاح الواعد على ثقافات العصر والحوار معها بمنطق الاكفاء لا الاتباع وكانت حجة طه حسين في ذلك ان الوعي بالهوية هو وعي الغيرية وان الوعي بالأنا لا يكتمل الا من خلال الوعي بالآخر المختلف, وان الهوية الوطنية او القومية لا تتناقض في اغتنائها وثقتها بنفسها مع الهوية الانسانية التي هي متممها الطبيعي. ولذلك لا يزال انجاز المعهد المصري في مدريد مثل غيره من انجازات طه حسين المضيئة فضاء مفتوح لتأمل اصل من اصول الهوية العربية في ميراثها الاندلسي وامكانا مفتوحا للحوار مع ثقافة اوروبية معاصرة لابد من التفاعل معها تأكيدا للميراث الاندلسي نفسه الذي كان ملتقى لثقافات تفاعلت وتحاورت واثمر تفاعلها وحوارها امثال ابن رشد الذي تحول انجازه الفلسفي الى علامة على بداية الاتجاهات التي انتجت النهضة الاوروبية الحديثة. واتصور ان هذا المعنى يتطلب منا تأكيده بقوة خصوصا في هذه الايام التي يتكاثر فيها دعاة الانغلاق والتعصب, وانصار الاتباع الجامدة والتقليد السقيم ونحن نستلهم في ذلك ميراث التسامح الاعتقادي الذي ازدهرت به الحضارة العربية في عصور ازدهارها حتى من قبل ان ينشىء الخليفة المأمون (بيت الحكمة) ويفتح كل الابواب المغلقة امام رغبة المعرفة العربية التي تحققت بواسطة ترجمة ميراث الانسانية كلها. ونحن نستلهم في ذلك على المستوى نفسه. ثقافة الاندلس وتقاليد الحوار الفكري الذي اضاف به امثال ابن رشد الى ميراث الانسانية الذي انطلق منه على سبيل الابتداء لا الانتهاء وسعة افق التفاعل الابداعي الذي انتج ازجال ابن قزمان التي كانت جماعا خلاقا لاكثر من ثقافة واكثر من لغة واتصور كذلك ان هذا المعنى على وجه الخصوص يتطلب منا تطويره ليضيف الى الافاق القائمة بالفعل افاقا اخرى اكثر وعدا بامكانات المستقبل الذي تخايلنا علاماته الآتية خصوصا بعد ان خطونا عتبة القرن الحادي والعشرين والألف الثالثة من الميلاد. اما المعنى الرابع والاخير فيتصل بدلالة من دلالات المفعول على فاعله او دلالة القيمة على صاحب الانجاز واوضح ذلك بقولي ان امثال طه حسين عندما شيدوا ماشيدوا من صروح الثقافة واستخدموا المناصب العالية التي وصلوا اليها في تحقيق ذلك تجسيدا لاحلامهم هم لا اوامر الحكومات التي عملوا فيها, او تحت تسلطها لم يفعلوا ما فعلوا وهم يتشدقون بنقائهم الثوري من حيث هم مثقفون ولم يسرفوا في استخدام عبارات تخيلية تدعي الاستقلال التام عن الدولة او البعد المطلق عن السلطة وانما فعلوا ما فعلوا من حيث هم مثقفون ادركوا انه لا يمكن لهم نقل مشروعهم الثقافي الجذري من المستوى الخاص الى المستوى العام الا بواسطة العمل في الدولة ومن خلالها مؤمنين بأن امكانات العمل في الدولة وبالدولة ليست فعلا من افعال الوهم, ولا مدعاة للخجل او الاعتذار ولا حتى سبيلا في المباهاة او التبجح وانما هي شرط من شروط الواقع, ومجال للفعل الخلاق رغم ما يكتنفها من عقبات. وأصل ذلك بالقطع وعي المثقف بأن عمله في الدولة مشروط باحتمالات تنفيذ احلامه ومرهون بتقبلها ما يعدعوها اليه ومفتوح على عدم تطابقه مع كل مواقفها او تسليمه بكل سياساتها. والفارق هنا جذري بين المثقف الذي لا يقبل التنازل عن مبادىء حلمه في علاقته الوظيفية بالدولة, والمثقف الذي يستبدل الذي هو ادنى بالذي هو خير طمعا في المنصب او الوجاهة الاجتماعية او حفنة من الدراهم. ولقد كان طه حسين في مجمل مسيرته نموذجا للنوع الاول من المثقف الذي لا يكف عن محاولة فرض شروط حلمه بالتقدم على واقعه المتخلف ولا يتنازل عن الجذري من مبادىء هذا الحلم في علاقته الوظيفية بالدولة. ولذلك ناله الكثير من الاذى اكثر من مرة ولكنه وهذا هو الاهم ضرب مثلا لغيره من المثقفين في قضية العلاقة بالدولة, فلم يقبل على سبيل المثال مهادنة حكومة صدقي باشا والانحناء امام رغباتها فكان المقابل فصله من الجامعة. ولم يقبل بالمنطق نفسه ان يعمل وزيرا للمعارف في حكومة النحاس باشا الا بعد ان ضمن تحقيق حلمه, وهو ان يصبح التعليم كالثقافة حقا للناس جميعا كالماء والهواء. ولذلك استطاع طه حسين الوزير ان يفرض على الدولة مشروعاته التي تنفتح بالثقافة العربية على غيرها ومنها المعهد المصري في مدريد والمركز الثقافي في الرباط وغير ذلك من الاعمال المشابهة التي لا تزال الى اليوم صروحا نفخر بها. ولم ينجز طه حسين ما انجز منفردا في متاهة عزلته او غارقا في تدبير توحده, وانما انجز ما انجز في فعل ممارسته الجدلية الخلاقة مع شروط واقعه المتعين والمتوتر بالامكانات المتعارضة. وانا لا اريد بالكلمات الاخيرة على وجه التحديد ان اجسر علاقة انتهازية بين المثقف والامير, كما يفعل البعض, او ادافع عن علاقة غير متكافئة بين المثقف والدولة, وانما اقصد الى توضيح بعد حاسم في انجاز طه حسين. وأؤكد الفارق بين العمل في الدولة وبالدولة والعمل في السلطة ولصالح مطالبها الغاشمة كما اسعى الى تحرير حركة المثقف الفاعل الذي لا ينعزل عن حركة واقعه في شعارات وردية او مزايدات كلامية.