في دولة أفريقية فقيرة جريدة اسمها (الحقيقة أثمن من القرش) وهي حكمة لم يعد معمولا بها في الوقت الحاضر, بعد أن صار القرش أحسن من الحقيقة وأحسن من كافة الاشياء في هذه الحياة. ولكن العبد لله باعتباري أهطل وأهبل ومش عايش في هذا الزمان, مازلت أعتقد أن الحقيقة أثمن من القرش. وبناء عليه أسأل سؤالا وأجري على الله. هل كنا محتاجين إلى قمر صناعي آخر نطلقه في الفضاء؟ وهل هذا هو الوقت المناسب لإطلاق القمر الثاني ولينضم إلى القمر الأول؟ ثم.. هل تتوقف قوة الإعلام أو ضعفه على كثرة أو قلة الأقمار؟ إن دولة قطر مثلا ليس لديها أقمار من أي نوع, ولكن لديها قناة فضائية تعتبر نموذجية.. وأقصد بها قناة الجزيرة. صحيح أن أهدافها مشبوهة ونواياها ليست سليمة, ولكنها محطة إخبارية ممتازة. وبرامجها التي تغطي أغلب الأنشطة على كوكب الكرة الأرضية أكثر من ممتازة. فلماذا القمر الصناعي الثاني مع أن القمر الأول لم يستغل كما يجب, أم أن الحكاية هي ترجمة أمينة للمثل القائل (واحد معاه قرش ومحيره, اشترى به حمام وطيره! ) والأكادة إنه لحظة إطلاق الصاروخ الذي حمل القمر إلى مداره صرح الوزير صفوت الشريف بأنها (لحظة تاريخية ونقلة حضارية) لحظة تاريخية لمن؟ للذين أوصوا على صنع القمر أم للذين صنعوه؟ وللذين سددوا فاتورة إطلاقه في الفضاء أم للذين أطلقوه بصواريخهم؟ أفهم أن نحتفل باللحظة التاريخية عندما نقوم بتصنيع القمر في أحد مصانعنا في حلوان, ونحتفل بالنقلة الحضارية عندما نقوم بإطلاق القمر في الفضاء من قاعدة الصواريخ ببني سويف. لماذا الفشخرة الكدابة وفتحة الصدر التي ليس لها أي سبب؟ ثم هل هذا وقته؟ في فترة نقص السيولة والكساد بهروب بعض رجال الأعمال بأموال البنوك. هل الهدف هو انتشار برامجنا على أوسع مساحة من الكرة الأرضية؟ حرصا منا على تثقيف الدنيا كلها بمسلسلات مجدي صابر ومسرحيات الإبياري, ولنمتع جميع الآذان بسماع أغنيات المطرب الجيوشي وزملائه من نجوم ليالي التليفزيون. ألم يكن أفضل لنا تقوية برامج التليفزيون ووضع سياسة جديدة ورشيدة للبث التليفزيوني؟ هل يصح أن تكون برامج التليفزيون المصري مثل أغنام جحا واحدة واقفة وواحدة نايمة. ليس في برامج التليفزيون إلابرنامج رئيس التحرير أولا ثم برنامج حديث المدينة أحيانا أما برنامج ماسبيرو فهو برنامج كارثة. عدد من الشخصيات قاعدين مثل تماثيل بوذا ثم الست المقدمة نازلة رغي في الفاضي والمليان. ثم ما هي حكاية التليفونات التي أصبحت مادة أساسية في كل برامج التليفزيون المصري؟ هل هذا هو التجديد اللائق بالألفية الجديد؟ ان التليفزيون ليس جهازا للتسلية فقط ولكنه قناة إخبارية ونافذة سياسية ومنبرا أدبيا وثقافيا. فأين تليفزيون القاهرة من كل هذه الأنشطة؟ وأشهد أن التليفزيون المصري هو الأول في التسلية, ولكن هل التسلية هي كل مهمة جهاز التليفزيون؟ على العموم.. مبروك القمر الصناعي الجديد, ولكن في حدود أننا دبرنا المبلغ المطلوب لصنعه والمبلغ المطلوب لإطلاقه بالصاروخ إلى الفضاء, ولكن ليس كلحظة تاريخية أو نقل حضارية. لأن هذه العبارات الطنانة تليق بالذين صنعوا القمر, وتليق أيضا بالذين أطلقوه بالصاروخ إلى الفضاء. خيانة عظمى ديفيد شايلر موظف بإدارة المخابرات البريطانية هرب من بريطانيا وعاش سنوات في فرنسا, وأثناء لجوئه في فرنسا كشف أسرار المخابرات البريطانية, وأهمها تآمر المخابرات لقتل الزعيم الليبي معمر القذافي. وكان وزير الخارجية البريطاني روبن كوك وصف أقوال شايلر بأنها خيالية تماما. ولكن شايلر قدم الأدلة التي تثبت أقواله. ليس هذا هو الجانب المهم في حكاية شايلر ولكنه المهم أن الجاسوس البريطاني أقام في باريس ثلاث سنوات لم يكف خلالها عن كشف أسرار المخابرات البريطانية وتلويث سمعتها. وفي يوم الأحد الماضي قام الجاسوس بالرحيل من فرنسا عائدا إلى بلاده. وفي الميناء الذي نزل فيه استقبله البوليس وجره من قفاه إلى مركز البوليس. وبعد 24 ساعة أطلق البوليس سراحه بعد إحالته إلى المحاكمة بتهمة كشف بعض أسرار المخابرات البريطانية. الشيء الملفت للنظر أن البوليس الإنجليزي الذي حقق مع الجاسوس السابق لم يوجه إليه تهمة الخيانة, ولم يتهمه بعدم التمسك بأخلاق القرية. وخرج الجاسوس من قسم البوليس حرا طليقا, وصرح عقب خروجه بأن التهم الخفيفة التي وجهها البوليس له تثبت ضعف موقف الحكومة, ثم أعلن عن سعادته البالغة لعودته إلى بلده, ثم أكد أنه سيعود في أقرب فرصة لكشف المزيد من أسرار محاولة اغتيال معمر القذافي. ياسبحان الله, موظف في المخابرات البريطانية هرب من بلاده ولجأ إلى فرنسا وكشف أسرار المخابرات التي كان يعمل بها. ثم عاد إلى وطنه فسحبوه إلى مركز البوليس ولكنه لم يمكث داخله سوى ليلة واحدة. لم يتهمه أحد بالخيانة أو طعن الوطن في الظهر, لم يتركوه في الحبس سوى ليلة واحدة. وعندما خرج لم يسكت ولم يتسلل الخوف إلى قلبه, طبعا أثناء وجوده في مركز البوليس لم تمتد كف الشاويش عطية إلى قفاه. وبالطبع لم تستقبله صحف لندن بالموشح إياه الذي يتردد في مثل هذه المناسبة, فلم تصفه بالجاسوس أو بالخائن, ولكنها نشرت تصريحاته التي أطلقها عقب خروجه من مركز البوليس وهو الآن حر طليق مواطن صالح كان ولايزال, يبدو أن الحرية في البلاد المتقدمة للجميع, للمواطن الصالح و المواطن المتمرد. ما أبعد الفرق بين حكاية الجاسوس البريطاني السابق وحكاية العبد لله, عندما اتهمت رسميا وحوكمت أمام المحكمة بتهمة الخيانة العظمى. ولم أكن على علاقة بالموساد أو على اتصال بسفارة أجنبية. كل جريمتي أنني أطلقت عدة نكت على الرئيس السادات الله يرحمه. وفي سجن القناطر و في بطاقة السجن الخاصة فوجئت بأن اسم العبد لله يتصدر البطاقة وفي خانة التهمة جاء توصيف التهمة.. (خيانة عظمى) رحم الله أيام الديمقراطية ذات المخالب والأنياب, وطوبى للحرية التي تكفلها الديمقراطية للجميع, للمواطن المتمرد وللموظف الذي كشف أسرار المخابرات التي كان فردا من أفرادها, وألف حسرة على مواطني دو ل العالم الثالث, حيث كل مواطن متهم حتى لو ثبتت براءته!