كان س. التهامي من أغرب الشخصيات التي قابلتها في حياتي. وعندما دخلت الجامعة كان قد تخرج من كلية الحقوق وكان صديقا لصديقي الكاتب الليبي الأصل عبدالله القويري الذي كان صديق الطفولة وزميل السكن. وعندما تخرج التهامي كان المستقبل أمامه ورديا, فخاله كان واحدا من كبار المحامين, والعمل في مكتبه يحقق آمال أي حقوقي شاب. ولكن التهامي رفض أن يعمل بالمحاماة, وقرر ـ لسبب لم أعرفه رغم صحبتي له ثلاثين عاما ـ أن يعمل بالفن. وذهب إلى صلاح أبو سيف وأبدى إعجابه به ورغبته في أن يكون تلميذا له. ولا أعرف أستاذا مثل صلاح أبوسيف. ولذلك ألحقه بفيلم جديد يصوره وأقبل التهامي على عمله بهمة ونشاط كمساعد مخرج. والعلاقة بين المخرج خاصة إذا كان في حجم صلاح أبوسيف وبين تلاميذه تظل علاقة الاستاذ والأب, وليس فيها ما فعله التهامي عندما اعترض على شيء قام به صلاح أبوسيف, ووجه الممثل إلى شيء آخر. وبالطبع أشار صلاح أبوسيف له بأن يخرج من الاستوديو لكنه رفض. وبعد دقائق كان ملقى في شارع الهرم. وظل التهامي يهاجم صلاح أبوسيف في الصحف والندوات والجلسات, حتى مات التهامي. قال لي صلاح أبوسيف انه ظل يعيش في كابوس التهامي حتى مات. وعندما مات التهامي ـ أو ربما قبل ذلك بقليل ـ كان وكيلا لوزارة الثقافة وكانت الجهة الرئيسية التي يتعامل معها أبوسيف. وهذا يفسر أنه كان كابوسا! وكان التهامي ـ كما ذكرت ـ قرر لسبب غامض أن يعمل في الفن, ولم تكن وزارة الثقافة قد أنشئت بعد, وكانت هناك مؤسسة اسمها (مصلحة الفنون) وكان رئيسها يحيى حقي. وذهب التهامي إلى أستاذنا الكبير يحيى حقي, وطلب منه توظيفه فأخذ يحيى حقي يشكو له من أنهم لا يسمحون له بتوظيف العدد الكافي. واستمرت العلاقة بين يحيى حقي والتهامي. ووجد الأخير أنه أمر ممتع أن يتردد على مكان كل يوم. ومن الغريب أن التهامي حتى هذا الوقت كان يرفض طلب أسرته الكبيرة بالعمل محاميا مع خاله, وكان بلا سكن فكان يأتي لينام عندنا إذا رضي عنه عبد الله القويري. فإذا لم يجد أحدا ينام عنده ذهب لينام تحت كوبري قصر النيل. ولقد طلبت منه مرة أن يجعلني أصاحبه في هذه التجربة المثيرة. لكنها كانت أكثر إثارة من أن أحتملها فهربت من أول الليل. لظروفه هذه كان لابد أن يجد وظيفة وكان المكان الوحيد الذي يريده هو مصلحة الفنون. ولم يكن في المصلحة درجة خالية. ولكن ماذا يهم؟ الوظيفة هي الغاية فجلس التهامي على كرسي, ثم إلى مكتب. وأخذ يستجدي العمل, وكلفه البعض بالعمل ظنا أنه موظف فعلا. وبدأ يذهب مع دخول الموظفين وكان ينصرف معهم, وينتظر معهم أول الشهر! بل وبدأ يحصل على بعض النقود فعندما ذهب مع زملائه إلى الإسكندرية في عمل أعطوه بدل سفر. إلى أن كانت الطامة الكبرى ـ أو على الأصح الفرصة الكبرى ـ فلقد تشاجر التهامي مع وكيل المصلحة, وكان بينهما ود مفقود منذ أول يوم دخل فيه التهامي إلى المكان. وانتهز التهامي فرصة خلو الغرفة وقام بضرب السيد وكيل المصلحة, الذي ثار لكرامته وقرر تحويل التهامي إلى التحقيق. وكان هذا حلم التهامي, ولا أحد يدري. فلقد أثبت بهذا فيما بعد أنه موظف في مصلحة الفنون, وإلا كيف حققوا معه وجازوه بخصم خمسة عشر يوما من مرتبه. وأيضا كيف أعطوه بدل سفر من قبل؟! وأصبح التهامي موظفا بحكم قضائي. واستمر في عمله حتى أصبح وكيلا للوزارة. لكن حلم الفن لم يرحل عنه أبدا. وكانت أحاديثه دائما ـ لحسن الحظ ـ عامة إلى أن وجدته يبحث عني في كل مكان, ليعلن لي أنه قرر أن يخرج فيلما! وكانت علاقته بالإخراج ـ كما ذكرت ـ أربعة أيام عمل فيها مساعدا لصلاح أبوسيف, و(علقة) أخذها من عمال استوديو (نحاس) وكان يعتبر هذا مؤهلا حقيقيا, وقال لي: وما فيها؟ لقد طرد أحمد بدرخان كاكويانس عندما كان مساعدا له, وها هو أخرج (زوربا) و(عندما يطفو السمك على الماء) . وانتشرت هذه القصة انتشارا كبيرا, ولا أدري حتى الآن هل هي حقيقية أم من ابتكار التهامي؟ واختارني التهامي من بين كل كتاب السيناريو الكبار في عصر: علي الزرقاني, محمد أبو يوسف, محمد عثمان, نجيب محفوظ, سعدالدين وهبة, صبري عزت, عبدالحي أديب.. اختار شخصي المتواضع لأكتب له السيناريو وكان قد اختار الموضوع أيضا وكانت حادثة دوت في زمانها, وهي ضياع طائرة تسير على الخطوط الداخلية, حيث فقدت الاتصال . وسقطت في الصحراء الغربية حيث مات طاقمها وركابها جميعا عطشا. وحاولت أن أتهرب من التهامي شارحا له أن جهازي العصبي أضعف من أن يحتمل الكارثة. أو أن الموضوع كئيب, وأن أحدا لن يدفع عشرين قرشا (ثمن دخول السينما آنئذ) ليشاهد موت ثلاثين أو أربعين شخصا الواحد تلو الآخر. ولكن التهامي صمم على موضوعه, وعلى اختياره لي. وفعلا تناول بعضهم هذا الموضوع في فيلم سينمائي فكان كلما قابلني يشكو أنني ضيعت عليه موضوعه الاثير. واقترحت عليه موضوعات أخرى, كان يرفضها فورا, ويعود إلى الطائرة الضائعة. وعندئذ اقترحت عليه أن نعمل فيلما عن (أتوبيس) ضاع في الصحراء فرد علي أن سعد الدين وهبة كتبها في مسرحية (سكة السلامة) قلت له لكن ركاب أتوبيس سعد الدين وهبة نجوا في النهاية. أما أتوبيسنا فركابه سيموتون واحدا واحدا. وأدرك آنئذ أنني أسخر منه. وكان رحمه الله شديد الذكاء. وليت س. التهامي عاش حتى الآن ليجد موضوعا يفوق موضوع طائرته هو المدمرة النووية الروسية. وإن كنت أعرف أنها ستكون موضوعا لعدة أفلام عالمية. ولو أنه كان ما زال على قيد الحياة لقلت له ان من ركاب الطائرة من كانوا في غالب الأمر موظفين يعملون في الصحراء, وعروسين ذهبا لقضاء شهر العسل في مكان غريب , ومريضا يبحث عن العلاج بالمياه المعدنية. وأن كل هذا يمثل مآسي شخصية, أما المدمرة الروسية فهي قصة أخرى. سبب إصابة المدمرة ما زال غامضا. وهذا يدل على أن الأسلوب القديم في روسيا ما زال مستمرا, ويؤكده أن خبر إصابة المدمرة لم يعلن في حينه. وتأخير الأخبار من تقاليد النظام القديم. ومقصود به ترتيب السيناريو, وتجهيز الشكل الإعلامي. وهناك إشاعات حول موعد وفاة كل الرؤساء. إذ يتم الإعلان عنها عادة بعد بضعة أيام. والشيء الثاني أن الحادث يضع خاتما على نهاية الكفاءة الروسية. فهذا البلد الذي تفوق حتى على أمريكا في الفضاء لسنوات وأحيانا في الطب, وأحيانا في العمارة, وكثيرا في الباليه والموسيقى والسينما, بدأ يفقد الكفاءة شيئا فشيئا, رغم توقع العكس نتيجة شحذ الدافع الفردي. والشيء الثالث أنه أسقط العنجهية الروسية. فلقد رفض الروس كل الأيدي التي تقدمت بالمساعدة فنحن وحدنا نستطيع انقاذ المدمرة! ولكنهم أدركوا أنهم لا يستطيعون, فأسرعوا بقبول المساعدة ولكن بعد فوات الأوان, أو هذا ما أظنه فأنا أكتب هذه الاستراحة (والمحاولات الروسية ـ البريطانية مستمرة) . بالتأكيد كان الموضوع سيجد هوى في نفس صديقي الراحل س. التهامي الذي عاش حياته كاملة يحلم بأن يخرج فيلما, ولم يخرج ولا مشهدا واحدا وأتوقع أن تكون المدمرة موضوعا لعدة أفلام أمريكية تشد المشاهدين, وتسخر من الضباط الروس كما تسخر الأفلام الأمريكية عادة من الضابط الإيطالي والفرنسي وطبعا ضباط شعوب العالم الثالث ونحن منهم! وأشهد الله ـ ربما لأن تجربتي محدودة ـ أنني ما رأيت فرنسيا أو إيطاليا إلا وهو أكثر ذكاء من أي أمريكي قابلته. وليت الروس يقومون بعمل أو أكثر. فهم سيقدمون شيئا أفضل. ولقد جاءني هذا الخاطر عندما قرأت أن أسرة تولستوي تجتمع في روسيا بكامل أفرادها استعدادا للاحتفال بذكرى وفاته التسعين . وتولستوي أكثر كتاب روسيا قداسة فلقد انحاز إلى الفقراء رغم أنه كان ينتمي إلى أسرة ارستقراطية وكتب (الحرب والسلام) و(البعث) وكانت مواقفه السياسية والإنسانية سببا في اجتماع مريديه من كل مكان حيث كانوا يسجلون كل كلمة يقولها قبل اختراع الكاسيت طبعا! ومن لم يقرأ الرواية الروسية لم يقرأ الرواية, ومهما جاء كتاب عظام في الدنيا ستظل الرواية الروسية هي أساس الرواية. وإذا كان تشيكوف قال: إننا أتينا من معطف جوجول. يقصد بذلك أن كتاب روسيا تأثروا بالعمل الرائد (المعطف) لجوجول. الا أنني أعتقد أن محراب الرواية الروسية هو تولستوي. ولعل في الأحفاد الخمسين لتولستوي من ورث عنه القدرة على الكتابة. وليكتب لنا قصة المدمرة الروسية. فإذا لم يحدث هذا لعل س. التهامي في الدار الآخرة يلح على تولستوي نفسه أن يكتب له السيناريو! وربما بذلك يحقق حلمه الذي لم يستطع تحقيقه في دار الفناء!