يشكل الصراع الحزبي في الكيان الصهيوني منذ نشأته طابعا عاما في بنية المجتمع اليهودي, الذي تتزايد يوما بعد يوم حالات تعقيداته الديمقراطية وتتشابك اشكاله العرقية, وخاصة بعد هجرة يهود الاتحاد السوفييتي السابق. الذين لم يستطيعوا ان يندمجوا بشكل كامل مع المجتمع مع ظهور حركات تعصبية صهيونية بينهم, ولكن مع ذلك ما زالت اللغة الروسية هي لغتهم الاولى بعد العبرية حتى ان البعض منهم لم يستطع اتقان العبرية حتى الآن. لذلك فقد انتشرت الصحف المكتوبة بالروسية والاذاعات الخاصة الروسية وحتى التلفزيون وهم بغالبيتهم العظمى لا يرون سوى تلفزيون موسكو عبر الاقمار الصناعية او عبر الكابل الموصول الى منازلهم. وهذه الحالة ليست الظاهرة العامة في الصراع الداخلي الاسرائيلي بقدر ما هي ظاهرة كبيرة قد يعتقد البعض انها محصورة في اطار الحرمان الذي عاناه شعب الاتحاد السوفييتي السابق ليجدوا اسرائيل متنفسا لهم, ولكن الواقع ان الكثير منهم بعد ان وصل الى اسرائيل لم يستطع البقاء فيها كثيرا لأنه وجد ارض الاحلام ارضا لسجنه وبؤسه الثاني, وبطبيعة الحال فإن حالة المهاجرين الاخرين ليست بأفضل من المهاجرين الروس, فاسرائيل التي ما زالت تفتح باب الهجرة على مصراعيه يبدو انه اغلق دون اذن منها بشكل ملحوظ فمن يهاجر الى اسرائيل من اليهود لا يمكن ان يكون متوازنا سويا, بمعنى آخر ليس المهاجر الى اسرائيل هو الانسان المستقر بل هو في الواقع يعيش ضمن اشكاليات مختلفة قد تكون على رأسها الاشكالية الاقتصادية, فاليهودي المستقر في الغرب ماديا لا يفكر مطلقا في الهجرة الى اسرائيل واذا فكر بذلك فإنه يحمل سمات نفسية معقدة قد يكون آخرها التعصب اليهودي الذي يظهر نتيجة رد فعل عاطفي بمستوياته المختلفة, وهذا النكوص غالبا ما يأخذ شكلا مرضيا. لذلك فإن الاحزاب التي تشكل وتعيش في اسرائيل ليست احزابا سياسية بالدرجة الاولى وان كانت تحمل سمة اليمين واليسار, فتشكيل الحزب في اسرائىل هو تشكيل مختلف المستويات والطبقات وله صور متعددة منها الحزب الطبقي الفقير او الغني والحزب المتوجه من مكانه في الغرب والحزب المتدين العلماني واحزاب المغاربة والروس والشرقيين بمخلتف انتماءاتهم وتوجهاتهم. وامام هذا الخليط في التوجه الحزبي يمكن الاشارة الى موضوع قد يبدو في غاية الاهمية وهو التمييز بين شكلانية الحزب وتوجهه, فالخلط كبير احيانا بين اليمين القومي والاحزاب الدينية, فقد نجد احزابا متشددة في توجهها الارثوذكسي اليهودي ولكنها معتدلة نسبيا في نهجها السياسي وحتى في قضية السلام مع العرب, وبالمقابل نجد مثلا حركات المهاجرين الروس والتي تقع في اطار (العلمانية) ولكنها تتفق مع بعض الاحزاب اليمينية بتشددها تجاه الصراع العربي الاسرائيلي وبتأيدها الكبير للاستيطان, رغم انها تدخل في صراع مرير مع الحركات اليهودية الدينية حول مصداقية يهودية المهاجرين الروس المبتعدين عن ممارسة الشعائر الدينية اليهودية وينسحب الحال على حزب (تسوميت) المتشدد سياسيا والمعادي للمتدينين رغم ان زعيمه (رافائيل ايتان) كان المنظم الاول لاجتياح بيروت عام 1982 حين كان رئيسا للأركان. والامر نفسه ينطبق ايضا على حركة (ميلوديت) التي تنادي بابعاد العرب من اراضي 1948 وكذلك عرب الضفة الى شرق الاردن. وهذا الصراع التوجيهي بين اليمين واليسار ينطبق على احزاب اخرى كثيرة تختلف في توجهها ورؤيتها الفكرية والدينية والسياسية, بل لعلها تكون متناقضة احيانا بين بنيتها وسياستها وتناقضها ليس فقط تجاه الصراع العربي الصهيوني بل في البنية الداخلية للمجتمع الاسرائيلي وطرائق تعامله مع كياناته ومؤسساته وافراده مما دعا البروفيسور يهودا فريد لا ندير عميد جامعة بارايلان الاسرائيلية الى القول: (ان ما تشهده اسرائيل اليوم من انقسام حاد بين السلفيين المتزمتين والعلمانيين ما هو الا استمرار مباشر للصراع الثقافي الديني الذي جرى في القرن التاسع عشر عند يهود اوروبا الشرقية) . وبالطبع فإن هذا ينتقل من صراع ديني الى صراع سلطات خاصة ان اسرائيل تضم مجموعة من الحركات والتيارات الدينية الفاعلة ومنها على سبيل المثال (المفدال, شاس, يهودات هتوراه, ديجل هتوراه, حياد, الحريديم, الحسيديم, اللتيائيون). وهذه التيارات والاحزاب تؤيد اليمين حتى وان لم يكن دينيا, فقد نقلت الصحف عن صحيفة (بيتد نئمان) الناطقة بلسان حزب ديجل هتوراه مؤيدة فكرة اليمين بقولها: (ينبغي ان نرى التوتر المتواصل على الحدود نعمة السماء فقد قال الرب ان لا سلام للاشرار ومن هذا القول فهم حاخاماتنا انه لا يوجد خطر على اسرائيل مثل خطر قيامه بجلب السلام لذلك اصبح فرضا على كل منا ان يعمل لابقاء اليمين في السلطة, وهكذا لا يكون سلام وهكذا يواصل العلمانيون الاشرار السقوط على الحدود وبذلك لا يلتفتون الينا نحن المتدينين) . وهذا القول يرتبط بالسمة الحالية للتفكير الديني في اسرائيل فهو يرمز الى حدة الصراع في المجتمع, بل لعله يريد تهويد القانون الاسرائيلي وكما تراه الحاخامات التي تجتهد في دينها اجتهادات سياسية شبه طفولية بل لا يقبلها عقل الطفل. فعلى سبيل المثال نجد حزب شاس (يشغل في الكنيست 17 مقعدا) دائما ما يطلق افكارا دينية اجتهادية في دعايته الانتخابية فقد قال مرة عوفاديا يوسيف الزعيم الروحي لشاس داعيا ومن وجهة نظر دينية لانتخاب حزبه: (كم سيستغرق الأمر؟! جيلا.. او جيلين ونمثل البلاد) وتابع في مكان آخر قائلا: (ان من يصوت لصالح حزب شاس سيدخل الجنة.. اما من يصوت للأحزاب الاخرى فلن يدخلها..) وبتجديده التصويت لحزب شاس فإنه يلغي بذلك الاحزاب الدينية الاخرى مما يوضح ان الصراع ليس صراعا بين العلمانيين والمتدينين بقدر ما هو صراع طائفي حزبي, فقد اعطى عوفاديا يوسيف حقه في تمليك مفاتيح الجنة من خلال حزبه, اضافة الى ان الاحزاب الدينية الارثوذكسية كثيرا ما تنتمي الى مجموعات عرقية تختلف في طبيعة تكوينها الاجتماعي بل تتحارب في ذلك رغم نسبها للدين كما تدعي. وفي التوجه الصراعي الآخر وجدنا حزب ميريتس اليساري الذي يشغل عشرة مقاعد في الكنيست كيف وقف ضد اموال المعاهد الدينية التي تطالب بها شاس الحكومة وكيف استقال من الوزارة لكي ينقذها, وفي هذا الاطار العلماني يأتي حزب شينوي الجديد الذي يقف مع ميريتس بمقاعده الستة محاربا التيار الديني ويصران على انجاز دستور اسرائىل وتنظيم الاحوال المدنية والاعتماد على التعليم العام لخفض الموازنات الممنوحة للأحزاب الدينية ومؤسساتها (اليشيفوت) مراكز التدريس الديني الخاصة باليهود. ورغم وقوف الاحزاب اليسارية المعتدلة فيما يتعلق بالصراع العربي الاسرائيلي في وجه الاحزاب الدينية, الا ان هذه الاحزاب (اليسارية) لا يمكن ان تشكل قوة (اكثرية) بل ان الاحزاب اليسارية ساهمت في انخراط الائتلاف الحكومي فصحيح ان ميريتس استقال بحجة انقاذ الحكومة ولكن الواقع ان استقالته جاءت اعتراضا على رئيس الحكومة ايهود باراك الذي استجاب لحزب شاس بخصوص الاموال الخاصة للمدارس الدينية. واذا كانت المشاكل الداخلية غالبا ما تكون مشجبا لاستقالة الوزراء فإن الواقع الذي تعيشه اسرائيل الآن ينعكس بشكل مباشر على حركتها الخارجية وتحديدا فيما يتعلق بالمفاوضات مع السلطة الفلسطينية, فالانتقال مع وضع الحزب يساره ويمينه الى وضع التفكير الحزبي في المفاوضات, هو في الواقع يرتبط بمجموعة من التداخلات التي يحملها رئيس الوزراء الاسرائيلي في حقيبته التفاوضية كي تكون الحجة الدائمة امام مفاوضيه وكأنهم المسئولون عن حكومته واحزابه, هذه الحكومة التي توقع لها الانهيار بعد الاعلان عن تشكيلها مباشرة فقد استقال منها وزراء ميرتس وشاس ويسرائيل بعليا والمفدال, وتكامل هذا الانهيار باستقالة وزير الخارجية ديفيد ليفي. وبالطبع فقد انعكس ذلك على اعضاء الائتلاف في الكنيست حيث كان عددهم 67 وانخفض الى واحد وثلاثين عضوا وصارت (اسرائىل واحدة) التي يتزعمها باراك تتلاعب فيها الرياح كما تشاء, بل صار رئيس الوزراء مهددا بانتخابات مبكرة رغم فشل المعارضة الاسرائيلية بجمع (61) صوتا في الكنيست لحجب الثقة عنه قبل قمة كامب ديفيد الاخيرة, ولكنهم كانوا يرددون وما زالوا: (ان الشيء الوحيد الذي يستطيع باراك التنازل عنه هو رئاسة الحكومة فقط) . من الواضح ان باراك يزداد تأزما امام هذا الصراع الاجتماعي قبل السياسي في اسرائيل, بل الديني قبل كل شيء, واكتمل هذا الوضع بفوز موشيه كاتساف رئيسا لاسرائيل وهزيمة منظر حزب العمل شمعون بيريز, وهو دليل واضح على فشل سياسة باراك داخليا قبل فشله في المفاوضات مع السلطة وهو الذي ذهب حاملا لاءاته.. وهل اكثر من ذلك؟! امام هذا الصراع ما الذي سيفعله باراك وقد بدأت عجلة المفاوضات تتحرك؟ سيحاول باراك تشكيل حكومة جديدة لعله يطلق عليها (حكومة سلام) وقد تضم حزب ميرتس اليساري بعد اقناعه بالعودة الى الحكومة وحزب شينوي وحزب المركز وحزب شعب واحد وعضو منشق من المهاجرين الروس , وبالطبع يكون ذلك يدعم من حزب يهودات هتواره والاحزاب العربية. وهذه الحكومة لا يمكن لها ان تجعل السلام حقيقيا ومنفذا دون عرضه على الاستفتاء العام, وبالطبع في حال اتفاق نهائي بين الاسرائيليين والفلسطينيين فايهود باراك الذي سعى دائما لضم الاحزاب الدينية في حكومته الفاشلة سيحاول الآن تشكيل حكومة جديدة علها تنقذه من هذا الضياع الذي يعيشه المجتمع الاسرائيلي والذي بدأت بوادر تأزمه الداخلي تتوضح, خاصة ان الاطراف الاسرائيلية المتصارعة سياسيا واجتماعيا وثقافيا ودينيا بدأت تنمو باتجاه تجديد الصراع وتشديده. فهل يكون تحرك باراك باتجاه المفاوضات منقذا له ام ان ذلك سغرقه والى الابد في مجتمع مشتت طبقيا ودينيا وانتماء قوميا لا يعرف الا العنصرية داخله وخارجه كما تجلى ذلك بتصريحات عوفاديا يوسيف الغارقة في العنصرية ضد كل ما هو عربي بل غير يهودي؟ كاتب وصحفي فلسطيني مقيم بدمشق