لولا انه يهودي من ابوين يهوديين لفتحت عليه نيرانا اعلامية لا يخبو سعيرها.. على خلفية ملاحقات مسعورة تستهدف اغتيال شخصيته كما جرى للكاتب والفيلسوف الفرنسي المسلم رجاء جارودي. هذا هو الاكاديمي اليهودي الامريكي نورمان فنكلشتين الذي قال ما لا يقال. وعندما نشر جارودي كتابه (اساطير المؤسسة الاسرائيلية) الذي عرض فيه ادلة علمية وتاريخية واحصائية تشكك في مبالغات الحركة الصهيونية العالمية حول المذبحة الكبرى لليهود المسماة (الهولوكوست) على يد زبانية ادولف هتلر في المانيا النازية خلال الحرب العالمية الثانية, تصدت له حملة اعلامية انطلقت من باريس لتتجاوب معها نيويورك ولندن بهدف تشويه سمعة هذا المفكر الاوروبي الموضوعي. الآن يصدر كتاب في السياق نفسه ويقدم طرحا اشد صراحة.. لكن قادة الحركة الصهيونية ليس بوسعهم التصدي لمؤلفه دون المخاطرة بفقدان مصداقية الدعاية اليهودية في الغرب.. لان المؤلف ينتمي الى (العائلة) . عنوان كتاب فنكلشتين مشحون بالدلالة الصريحة بما يكفي.. فهو كالآتي: (تجارة الهولوكوست: تأملات في استغلال المعاناة اليهودية) . وباستغلال عبارة (تجارة) يدفع المؤلف اليهودي بني جلدته من قادة الحركة الصهيونية, خاصة في الولايات المتحدة, ليس بتبني اجندة سياسية لصالح اسرائيل فحسب عن طريق تضليل العالم.. بل ايضا تبني اجندة شخصية للاثراء الذاتي غير المشروع. وليس بوسع اي زعيم صهيوني او اي يهودي آخر ان يزايد على فنكلشتين. فباستثناء والديه هلك كل افراد اسرته الاخرين في المذابح النازية الهتلرية ومعسكرات السخرة والمعتقلات. لكن يبدو ان الطفل نورمان تلقى تربية منزلية سوية فهو يورد في كتابه ان امه كانت تذكره على الدوام بأن معاناة الشعب اليهودي ليست فريدة من نوعها بالرغم من بشاعتها.. فهناك شعوب اخرى عبر التاريخ وعبر العالم عانت بصورة او اخرى من تجارب مريرة مماثلة. ويتصدى المؤلف لفحص المبرر الصهيوني المعلن لحملة الترويج المكثف والمستديم لمبالغات (الهولوكوست) بأن الغرض هو تبشيع هذه الحادثة في اعين الاجيال المتعاقبة في مجتمعات الغرب تحوطا ضد احتمال تكرارها مستقبلا.. فيقول ان الاهداف الحقيقية الجاري تطبيقها على الصعيد العملي غير ذلك تماما. الهدف الاكبر, يقول المؤلف هو استغلال (المذبحة لضمان استمرار تحيز الرأي العام الغربي لصالح اسرائيل وضد العرب) وفي هذا السياق يذكرنا بمصير تلك الندرة في الكتاب والمفكرين الامريكيين ممن حاولوا التعامل مع الصراع العربي الاسرائيلي بذهنية علمية محايدة, حيث جرى اقصاؤهم نهائيا عن مجرى التاريخ المعاصر. ويأتي المؤلف على ذكر اسماء وقصص عدد في الصحفيين الامريكيين المشاهير ممن يخشون ان يشهر في وجوههم سلاح (معاداة السامية) فيحجموا عن قول ما لا يقال.. وبالتالي يرسمون انتاجهم الصحفي على اساس إلباس الباطل ثوب الحق والحق ثوب الباطل. وبايجاز قاطع يقول المؤلف ان المقصود من حمى الترويج للهولوكوست هو خلق ستار دخاني متجدد على الدوام للتغطية على التجاهل الاسرائيلي الثابت لقرارات الامم المتحدة بشأن الشرق الاوسط وفلسطين. ان من المفهوم ألا يحظى كتاب فنكلشتين التوثيقي بترويج كبير في وسائل اعلام غربية تخضع للابتزاز الصهيوني النافذ ومن المفهوم ايضا ألا تشن الحركة الصهيونية الامريكية حربا على كاتب يهودي متمرد قد تفرز نتائج عكسية. لكن يبقى سؤال من الصعب مقاومته هل اقدام فنكلشتين على قول ما لا يقال, وهو اكاديمي يهودي, بداية لعاصفة تنزع صفحات مزيفة من التاريخ؟ أحمد عمرابي