في السبعينيات ونحن على مقاعد الدراسة كان صديق عراقي بعثي يردد لنا بشيء من الألم والفخر معا (نحن نقوم بتعذيب المخالفين من الاضداد السياسيين وعيوننا تدمع!) ذلك القول القديم أثارته من جديد في ذاكرتي موجة التصريحات الاخيرة في بغداد والتي صعدت من الحرب الكلامية ضد الكويت والمملكة العربية السعودية, وهددت باتباع (اسلوب جديد في سياستها الخليجية) اردفت ذلك باستدعاء طارق عزيز نائب رئيس الوزراء لرؤساء البعثات الدبلوماسية العربية والدول الممثلة في مجلس الامن لاطلاعهم على (نقد وشكوى) العراق من جيرانه في الخليج كما نقلت الصحف, واعقب ذلك اجتماع سري للمجلس الوطني العراقي صاحبه تنديد من رئيسه سعدون حمادي بدول الخليج وخصص الاجتماع لدراسة السياسة الجديدة! لعل في تلك الافعال والتصريحات ما يقارن به قول البعثي القديم (تعذيب وبكاء) في الوقت نفسه, والتلذذ هنا في التعذيب هو باستمرار معاناة الشعب العراقي فيما يعانيه, وتحميل اللوم على الجيران, في الوقت الذي يستطيع النظام في بغداد ان يعفي العراقيين من هذا العذاب بمجموعة من القرارات السياسية تتلخص في الخضوع لقرارات مجلس الامن. الا ان القضية هي بالطبع اكبر من ذلك واعمق, فهي تلخص تاريخ العراق المشتت دائما والحائر بين وجود دولة عراقية حديثة ومستقرة تقوم اول ما تقوم على بناء ثابت من اعمدة الوفاق السياسي الداخلي, وبين شعارات يخضع لها العامة هروبا من استحقاقات بناء المجتمع والدولة المتوافقة مع قطاعات شعبها, هذه الشعارات تتجه نحو (العروبة السياسية) . عنف تاريخي العنف في العراق عنف تاريخي فمن بين اثنين وتسعين خليفة عباسيا حكموا في بغداد ثمانون منهم تم قتلهم نتيجة الخلاف على كرسي الحكم, كان ذلك في عصر المكتبات والتقدم العلمي والانجاز الادبي, حتى وصلت الدولة من الضعف والهزال ان مكنت من دخول المغول بغداد ليكملوا العنف وتسيل انهار الدماء التي صبغت بها مياه نهري دجلة والفرات. الحجاج بن يوسف الثقفي على ما تركه لنا التاريخ من شخصيته الفظة, ترك لنا ايضا مقولة في اهل العراق بأنهم (اهل شقاق ونفاق) , وفي العراق تم قتل عدد من اهل البيت قتلة شنيعة من الحسين بن علي رضي الله عنه الى الملك الصغير فيصل الثاني الذي لم يكن له حول ولا قوة, ولقد ظهرت بعض الكتابات الاخيرة التي توثق ذلك القتل وتلك المجزرة في يوليو 1958 فكانت تصف مذبحة شنيعة لم توفر فيها لا النساء ولا الاطفال العزل. بجانب العنف الانساني فإن عنف الطبيعة في العراق اثر تأثيرا مباشرا في الانسان العراقي, ويصف لنا الروائي عبدالرحمن منيف في رائعته (ارض السواد) اشكالا من هذا العنف في الطبيعة العراقية, من فيضانات غير متوقعة الى زلازل مدمرة الى امراض فتاكة كالطعون والجدري الى المجاعات التي تحصد ارواح البشر, فأصبحت الشخصية العراقية في حرب مع الطبيعة كما هي في حرب مع الانسان. كل من دخل العراق غازيا على مر التاريخ ترك بشرا من طينته, وكثيرا من ثقافته العامة, وفي الوقت الذي استنزف فيه سكان العراق الاصليون نتيجة هذه الغزوات, فإن تأثير الغازين كالمغول, الذين حصدوا ثلاثة ارباع الشعب العراقي وقتها بالسيف, بقي هذا التأثير في تراث الشعب العراقي وفي بداية القرن العشرين نجد ان العراق مكون من خليط من الاكراد والعرب والتركمان والعجم والكلدانيين والزيديين والصابئة واليهود, مع اقلية من الاصول الافغانية والهندية الى درجة ان وثائق البعث الاخيرة اتهمت اهل الاهوار, بعد ثورتهم في التسعينيات بأنهم من الهنود الذين لا ينتمون للعرب! في العشرينيات كان اربع واربعون في المئة من اعضاء الغرفة التجارية في بغداد من اليهود! ولعل بعض ادبيات البعث في اول سني حكمه تؤكد وجوب التعامل الفظ مع الانسان العراقي لانه تعود دائما الكسل والعصيان والنشوز بسبب هذا الخليط الذي لم يجد له نظام دولة تحيطه (كمواطن) بدلا من عشيرة وطائفة ومذهب وأصل, وظلت الدول العراقية الحديثة فاقدة لهذا الحبل الجامع, بل استفادت انظمة الحكم المتعاقبة في تأكيد هذا الاختلاف العرقي والفئوي واللعب عليه لأسباب واغراض سياسية, فأصبحت المزايدة هي النشيد الاعلى صوتا في المناداة بالعروبة السياسية والعمل ضد مصالحها. هذه التعددية في الاعراق والمنابت بدلا من ان تكون دافعا لبناء مجتمع تعددي متسامح, اصبحت وسيلة الوصول لفئة الى الحكم والرد بالعنف على الفئات الاخرى المكونة للنسيج الاجتماعي العراقي. الآخرون هؤلاء غالبا ما يسحبون ولاءهم من الدولة بسبب ما يلاقونه من عنف, وقد يركنون الى العنف المضاد. توظيف الشعارات دافع الحديث عن (العروبة) في التاريخ السياسي الحديث في العراق هو دافع مصلحي للسلطة الحاكمة تتحدث عنه كثيرا لاستخدامه سياسيا, وتضرب به عرض الحائط عندمايفرض ان يتحول الى عمل, بحث هذا الموضوع كاتب عراقي مطلع هو حسن العلوي في حديثه عن التوازنات الاجتماعية في العراق, وعاد اليه كتاب مثل جان بلك وهارفي مورس في كتابهما المشترك (حروب صدام) حيث قال الاخيران (ان العراق اقل عروبة من اي مجتمع عربي آخر) . ولعل المثال الصارخ للخوف من التعددية يكمن في الاسباب الحقيقية للحرب العراقية الايرانية, فبعد التغيير في ايران تخوفت السلطة العراقية الحاكمة من تسرب افكار الثورة الى فئات عراقية, فتم اقتلاع عشرات الآلاف من العراقيين من منابتهم بحجة ان اصولهم ايرانية! وهذا تم في اول تطهير عرقي حديث. قد يكون هذا شائكا وصادما للبعض في قولنا عن العروبة السياسية في العراق, ولكنها الحقيقة, ان تصفحنا تاريخ العراق العروبي! فالعراق في تاريخه الحديث استخدم هذا الشعار من اجل ادامة تحكم شريحة صغيرة في الحكم في بغداد, وفشل المرة تلو المرة في تحقيق اية اهداف من الشعارات المرفوعة, ولعلنا نتذكر المحادثات مع السوريين في بداية الستينيات, فإن رجعنا الى مذكرات طالب شبيب وكان وقتها وزير خارجية بعثيا, نرى ان المحادثات وافقت على (وحدة ولكن دون نفط العراق) , كما يذكرنا داعية للعروبة كبير هو ساطع الحصري في مذكراته عندما قرر وهو وزير للتعليم في بغداد ان يستجلب مدرسين سوريين, خرجت مظاهرة كما يروي ترفع شعار (نعم للوحدة لا للتوظيف) ! تلفيق الادعاءات كل ذلك مرورا بما تعارف عليه في ادبيات البعث العراقي الحديثة من (مؤامرة دبرها بعض العراقيين (للوحدة مع سوريا) في نهاية 1979 والتي على اثرها اطيح بعدد من القياديين في مؤتمر (اعترف وناد بشعار الحزب ثم اخرج) لتلاقي حتفك, في مذبحة القياديين الذي اعتقد صدام حسين اول استلامه للسلطة انهم ربما يكونون ضده, فتم تصفيتهم بسبب (مؤامرة للوحدة مع سوريا) . ويمكن للمراقب ان يأتي بعشرات الامثلة على الطلاق البائن بين شعارات البعث العراقي العربية, وبين ممارساته العربية ايضا من جديد, فهي بعيدة كل البعد عن الانخراط الجاد الحقيقي في القضايا العربية من منطلق الحفاظ على الحد الادنى من صف عربي يدافع عن المصالح المشتركة, دع عنك الاشتراك في حرب ضد اسرائيل او دفاعا عن فلسطين, ففي المرحلة الاخيرة سمعنا تحذيرا من بغداد للفلسطينيين بأن مرحلة (الفراق) ـ بين بغداد وغزة ـ هو ما سوف يحدث للقدس في المستقبل, وهي في نظري واحدة اخرى من المزايدات اللفظية التي لا تعني شيئا, لأن الفلسطينيين مغلوبون على امرهم في هذا الموضوع لا غالبون! قلت ما قلته آنفا لا لكي اقول ان العراق ليس بعربي, فذلك تخط لحقيقة ديمغرافية وثقافية واضحة, ولكني فقط اردت ان ابرهن عقليا بأن الشعارات (العربية) المنطلقة من بغداد هي شعارات استهلاكية لا تحوي اية صدقية موضوعية, وهي تستخدم فقط للهروب من حقيقة التعددية في العراق التي تستلزم الاعتراف بها وتمكينها من التنفس الصحي, وليس علاجها بالاقتلاع او التصفية, وفقط عن طريق الاعتراف بهذا التكوين البشري المتعدد الاعراق والمذاهب والذي لا يختلف كثيرا عن اي تجمع في المنطقة العربية استطاع في اماكن اخرى ان يتأقلم نسبيا مع الواقع بحل مشكلات التعددية عن طريق الوفاق لا عن طريق القمع والتسلط. ولعلي اختم بقول قرأته منسوبا لشاعر العراق الكبير المرحوم محمد مهدي الجواهري الذي يقول فيه (لا تقتلوا صدام حتى لا يموت الشعب العراقي من الفرح) . المأساة التي تنتظرنا هي ان العنف في العراق يستوجب التقرير ان (من عاش بالسيف مات به) . امين عام المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب ـ الكويت