رث حالها, بالية ملابسها, تذرف عيناها دمع الاسى والشظف, وتقول شفتاها القرمزيتان كلاما حزينا, تدعو ربا رحيما ان يتحنن عليها ببعض الدريهمات, علها تشعر ببعض السعادة والهناء.. وبتثاقل تحركت يداها الضعيفتان لتجمع اقراص فلوس تعلن فرحتها الكبيرة, ثم تحركت يداها بالدعاء الصادق.. توقفت مشدوها امامها وهي تحمل رضيعا باسطة يدها, وقد اثقلها هم السنين, لقيتها, وليتني لم القها.. غابت اشارة المرور الحمراء فدفعت بسيارتي ودفعت بتفكيري ليعمل في هذا العالم الظالم الذي اسقط بسوط عذابه على ضعف امرأة, فكان صورة الجلاد على ضحية مستكينة مكبلة بسلاسل من حديد جلاد, يضع قسوته على حنان امرأة في اعلى مراتبه, يقتل العاطفة في مهدها.. كذا يظلم البراءة بكل ما اوتيت من جمال, ينتف ريش عصفور بلله المطر, آوى الى حيث الدفء والامان. كانت لي وقفات اخرى خلال زيارتي المتكررة لبعض دول العالم الاكثر فقرا وبعضها الاكثر غنى.. كانت لي وقفات عند كل منظر يدعو للتأمل والتفكير.. واكتشفت كم هو غريب هذا العالم, وكم هو صادق من قال بأن للأسفار فوائد وغرائب وعجائب. كانت لي وقفة طويلة عندما شد انتباهي وايقظ تفكيري منظر طفل جميل غطت براءته المكان بعينيه الكبيرتين وهما تبحثان عن ضياع وسط القمامة, رجلاه حافيتان, غطى نعومتهما غبار الزمن وحبات عرق الحر تزرع جبينه, وهناك قربه طفلة بعمر الزهر الندي تجعّد شعرها المسدول على كتفيها, تضع يداها الصغيرتان على سلة المهملات, وقد تدلى رأسها دافعة ما تبقى من جسمها خوفا من الوقوع, حلمها لقمة عيش او ربما دمية بالية تعانقها. اما في الجانب الاخر من العالم, فقد وقعت عيناي هناك وسط مساحة خضراء رائعة على طفل جميل, باسم ثغره, يدفع كرة قزحية, متدحرجة على رجله الصغيرة, تتبعها يد ام نظيف ملبسها, وعيناها تفيضان بالحب والحنان وتتطلعان بعين الرعاية والخوف على صغيرها.. ابتسمت, ثم واصلت طريقي وفي عقلي ألف سؤال وسؤال عن هذا وذاك.. تساؤل يطرح مجموعة من التناقضات.. فقير بائس يبحث عن لقمة عيش تسد رمقه وسط سلة المهملات, وآخر يحاصره رزقه. محمد خليفة