انتهى المهرجان الكرنفالي الصاخب الذي نصبه الحزب الجمهوري الأمريكي على مدى أيام في فيلادلفيا مع أوائل أغسطس. وليس لك أن تتوقع أو تتوجس من حديث في السياسة نسوقه اليك في هذه السطور. أولا لأن تعليمات رئاسة التحرير الموقرة أصدرت من قبل تنبيها أقرب الى التحذير بعدم الخوض في معمعات السياسة حرصا على نهج الاستراحة وإبعادا لسطورها عن وجع القلب و(دوشة) الدماغ خصوصا إذا كنا نخوض في بحر السياسة المعمول بها في الوطن العربي السعيد.. وثانيا لأننا نظل من جانبنا في حال اقتناص لأي فرصة تسنح بعيدا عن السياسة وأحاديثها ترويحا عن النفس من ناحية, وتنفيذا لنصيحة أقرب الى الوصية صدرت من زمان بعيد عن السيدة جدتنا أكرم الله مثواها حين أفادت ما فحواه بأنه إذا كان النفر تقصد حفيدها العبد الفقير لن يستطيع أن يغير من الأمور أو الأوضاع شيئا فخير له أن يلزم حدوده وأن يلتمس لنفسه نجعة في شيء مفيد ينشغل به.. وكفى الله المؤمنين. وثالث الأسباب أن الحديث عن مؤتمر الحزب الجمهوري الأمريكي جي أو بي كما يسمونه وهو اختصار لعبارة الحزب الطيب العجوز.. بمعنى المحنك المجرب الأصيل.. هو حديث في نهاية المطاف عن مناسبة احتفالية حرص منظموها على أن يقدموها بوصفها عرضا مسرحيا (شو) يصلح له عنوانا نقتبسه من أدبيات المصريين وهو (مولد سيدي بوش) أو كما أصبحوا يسمونه دبليو بوش اشارة الى السيد بوش الشبل الابن وليس الى دادي بوش (الأب) كما يسميه الخصوم في الحزب الديمقراطي في محاولة للغمز من قناة آل بوش اجمعين. وفي اطار حكاية الغمز هذه تساءل الكاتب الأمريكي كلايد هابرمان عن موضة اختصار أسماء المسئولين والاكتفاء بأسماء الدلع والتدليل على كبار الساسة والزعماء في أمريكا. في هذا السياق يقول زميلنا الأمريكاني: لقد جاء على دنيا السياسة حين قريب من الدهر كان يتعين فيه طرح أسماء الساسة وخاصة مرشحي منصب الرئيس ونائب الرئيس في اطار من الاحترام للتقاليد ومراعاة الأصول. كان اسم المرشح ثلاثيا كما هو في الوثائق والمحررات الرسمية بعيدا عن أسماء الدلع التي يناديه بها خلصاؤه في البيت أو على المقهى أو في غرف تبديل الملابس بالنادي. و.. خذ مثلا مازال الأمريكاني يقول: كان عندنا وليم فتزجيرالد كنيدي ومن قبله كان فرانكلين ديلانو روزفلت ودوايت ديفيد ايزنهاور وهنري كابوت لودج وليندون بينز جونسون. صحيح أن كان لكل من هؤلاء أو لمعظمهم أسماء للتدليل كان الناس أو الصحفيون يستخدمونها من باب التحبب أو التودد أو الاعزاز ولكن هذا كله كان في حدود ضيقة وفي مناسبات نادرة أو حميمة فلم يكتب أحد مثلا الرئيس (ايك) كناية عن الجنرال ايزنهاور ولا خاطب كاتب روزفلت قائلا: مستر (فرانكي) ولا تكلموا عن جونسون بأنه (لين) وهو الذي كان حريصا كما يقول مترجم سيرته المؤرخ المعاصر (روبرت كارو) على أن يذكروه في سجل تاريخ بلاده على أنه إل.بي. جونسون. وظل الأمريكان كذلك حتى عقد الستينيات وبعدها جاء عقد السبعينيات بمتغيرات كثيرة بعضها جنح بسلوكيات الناس الى مزيد من الخفة التي ما لبثت أن أدت الى الاستخفاف على قاعدة (قل يا باسط) كما يقول المصريون. وكان أول الغيث في منتصف العقد السبعيني حين قرر مرشح شبه مجهول أن يقلع عن حرفة زراعة الفول السوداني كي يشتغل بالسياسة.. وهكذا غادر المرشح الريفي ولاية جورجيا الفلاحية وقدم مستندات تقول ان لقبه يبدأ باسمين هما (جيمس إيرل) ثم دخل بعد نجاحه الى مكتب الرئاسة باسمه الذي عرفوه فيما بعد وهو (جيمي كارتر) وهكذا تحول اسم جيمس الكلاسيكي الى (جيمي) الشبابي الخفيف الحميم وهو اسم تدليل بطبيعة الحال. (واذا كان الاسم بالأسم يذكر, فقد نقول! أقرب أصدقاء الزعيم عبدالناصر كانوا ينادونه أحيانا في لحظات الصفاء الحميمة باسم (جيمي) وما كان لأحد أن يعمم هذه التسمية لتتجاوز هذه الحدود إذ كان محصورا في نطاق الأسرة وبين أقرب رفاق الزمالة والسلاح.. ولكن عمد المصريون وغيرهم في أقطار العروبة الى لقب (الريس) أطلقوه على ناصر تحببا واعزازا, تماما كما كانت (الست) هي أم كلثوم والاستاذ هو محمد حسنين هيكل, كما لاحظ مؤخرا الكاتب المصري المهاجر فرانسوا باسيلي في مقالة أثارت في الوجدان أشواق النوستالجيا وقد نشرها مؤخرا في جريدة القدس اللندنية). المهم أن السيد جيمي كارتر فتح الطريق لاستخدام أسماء الدلع رسميا للدلالة على أكبر زعامات أمريكا. واكتملت الصورة بأن نسى الناس اسم السيد وليم جيفرسون واكتفوا بحكاية بيل كلينتون تماما كما أكتفوا باسم بوب دول بدلا من روبرت دول وآل جور بدلا من ألبرت أرنولد جور وهذا هو اسمه الحقيقي حسب المستندات الرسمية, وأصبح ريتشارد تشيني هو ديك تشيني.. وما زال الحبل كما يقولون على الجرار.. بل انتشرت العدوى الى الجانب الشرقي من المحيط الأطلسي حيث تحول السيد أنطوني أو أنطونيوس الى مجرد طوني ونكتبها طبعا توني بلير رئيس وزراء صاحبة الجلالة البريطانية حيث يقول المؤرخ الأمريكي الشهير آرثر شلزنجر: (ان مثل هذه العدوى قابلة للانتشار وهي تنبع عن موقف أراه لا يليق بمقام المناصب السامية ويرجع بدوره الى رغبة المرشحين في نيل حظوة رخيصة عند الناس فأنت تريد أن تكسبهم بأن تبدو أمامهم وكأنك واحد من أفراد الشلة) . وفي السياق نفسه يتساءل مؤرخ آخر من جامعة كورنيل هو الأستاذ (جويل سلبي): كيف نسمح لزعمائنا أن يحاولوا النزول الى مستوى الفرد العادي ثم نطلب منهم بعد ذلك أن ينجزوا أعمالا عظيمة ترتفع بالضرورة عن مستوى الفرد العادي؟ أخيرا الى صاحبنا الصحفي الذي استهللنا به هذا الحديث غير السياسي كما لا يخفى عليك. يقول كلايد هابرمان: يبدو أن المسألة (شغالة على ودنه) : الساسة والزعماء تخلوا عن أسمائهم الكلاسيكية, ثم عن ألقابهم الثلاثية الرصينة. واكتفوا باسم واحد يفيد التدليل أو التصغير ما بين جيمي الى آل الى بيل الى بوب الى توني.. الخ. وأغلب الظن يضيف الصحفي الأمريكي - أن المسألة سوف تتطور فاذا بالزعماء يستخدمون رموزهم التي يستعملونها في البريد الالكتروني وعلى شبكة الانترنت ومعظمها يتألف من حرف واختصارات وأرقام هي أقرب الى الطلاسم أو الألغاز!