اعلن المرشح الجمهوري للانتخابات الرئاسية الامريكية جورج بوش الابن, عزمه العودة الى سباق التسلح الاستراتيجي في حالة فوزه بالانتخابات على مرشحه الديمقراطي (آل جور) ولم يكن الاعلان, الذي جاء في اوج الحملة الانتخابية للفوز بمقعد اعلى كرسي رئاسي في العالم مفاجأة الملاحظين ومتتبعي برامج المرشحين السياسية. ذلك ان الرجل متشبع بطروحات ومواقف والده, وبالطاقم الكبير من الخبراء والعسكريين الحائمون حوله وغالبيتهم محسوبين, على عهد (رونالد ريجان) و(جورج بوش) كوزير الدفاع الاسبق (ديك تشيني) الذي اختاره المرشح الجمهوري نائبا له والجنرال (كولين باول) الذي لعب دورا في حرب الخليج الثانية, وغيرهم من الوجوه البعيدة عن الاضواء. وجميع هؤلاء المستشارين يعملون لاحياء مجد امريكا القديم كما يقولون, عندما كانت دولة مهابة عسكريا ولكن ـ برأيهم ـ فقدت الولايات المتحدة الامريكية بريقها وهيبتها في عهد الرئيس بيل كلينتون الذي اوقف العديد من المشاريع العسكرية الكبيرة التي كانت الصناعات العسكرية الامريكية تعتزم انجازها في المستقبل خاصة برامج الصواريخ البعيدة المدى, والاقمار التجسسية الا ان مثل هذه المشاريع توقف العمل بها لتوقيع ادارة بيل كلينتون على معاهدة (ستارت 2) والتزامها بتخفيض وتحديد سقف الاسلحة الباليستية. ويقول الجمهوريون, ان الموقع العسكري الذي اوجده الديمقراطيون للولايات المتحدة الامريكية في عالم شديد التداخل والترابط افرز قوى عسكرية جديدة في سلم القوة العسكرية تمتلك التكنولوجيا العسكرية العالية والقادرة على تهديد مصالح الولايات المتحدة الامريكية الحيوية. بل ان هذه التكنولوجيا انتقلت الى دول نامية كالهند وباكستان وكوريا الشمالية, واصبح بمقدور هذه الدول انتاج اسلحة الدمار الشامل من دون الحصول على موافقة امريكية مسبقة. وما يزيد من المخاوف الامريكية هو ان تنتقل (العدوى) الى بقية الدول النامية التي ترغب في الحصول على مثل هذه التكنولوجيا العسكرية, بل ان التعاون بين الدول المالكة لهذه التكنولوجيا والدول الراغبة في الحصول عليها قائما, ويكفي ان الصين وكوريا الشمالية قدمتا مساعدات عسكرية للعديد من الدول لدفع مقدراتها العسكرية مستقبلا. وتفسر الولايات المتحدة الامريكية هذا التعاون على انه يشكل تهديدا لها تتوجب مواجهته ببرامج ومشاريع عسكرية كبيرة تبقي التفوق الامريكي وتحافظ على مكانة الولايات المتحدة الامريكية الدولية فالتهديد الجديد لمصالح الولايات المتحدة الامريكية يختلف عن التهديد التقليدي الذي مارسه الاتحاد السوفييتي السابق, فاليوم المواجهة ليست مع قوة واحدة بل مع قوى متعددة تتوزع على مناطق مختلفة من العالم, ومن الصعب مراقبتها جميعا وان كانت الخطوة الاستراتيجية في مراقبة هذه القوى تمثلت في تغيير مهام حلف شمال الاطلسي الذي اصبح بمقدوره التدخل في اية منطقة من العالم لحماية المصالح الامريكية. والخطوة الثانية تتمثل في طرح مشروع النظام الدفاعي الصاروخي الذي طرحه بيل كلينتون منذ اشهر ويصر الجمهوريون على تنفيذه بسرعة كبيرة كوسيلة ردع تعيد هيبة الولايات المتحدة الامريكية الدولية, ويهدف المشروع الى احتواء القوى العسكرية الدولية التي تشكل تهديدا للأمن العسكري الامريكي, وكذا وضع حزام امني عسكري على المصالح الامريكية تحسبا لضربة خاطفة قد تنفذها احدى القوى العسكرية الجديدة. واللافت للنظر من المشروع انه يحمل صفة (الدفاع) وليس (الهجوم) , مما يؤكد التخوف الذي يكتنف صناع القرار في الولايات المتحدة الامريكية من المستقبل المجهول, فالعالم الراهن يتجه نحو بناء التكتلات الكبرى التي بدأت تتشكل في مناطق العالم في آسيا واوروبا, وامريكا اللاتينية ويستحيل على الولايات المتحدة الامريكية مراقبتها كلها ان لم تستند الى منظومة عسكرية قوية تكون وسيلة ردع لكل قوة تحاول ان تنافس الولايات المتحدة الامريكية في ادارة النزاعات الدولية. لأجل ذلك نعتقد ان الجمهوريون سيسعون ـ في حالة فوزهم بالانتخابات ـ الى احياء المشاريع العسكرية والبرامج الكبرى, بل سيطالبون الكونجرس الامريكي برفع ميزانية الدفاع الامريكي ضاربين عرض الحائط بالاتفاقات الموقعة مع روسيا واوكرانيا. فالتحديات هي التي ستحدد التوجهات العسكرية الامريكية للسنوات المقبلة, ولا خيار للولايات المتحدة الامريكية لقيادة النظام الدولي الجديد الذي لم تتبلور ملامحه بعد, إلا بالاعتماد والاستناد على الاداة العسكرية والاداة الاقتصادية لابقاء زعامتها وتفردها بالعالم, وهذه هي استراتيجية المرشح جورج بوش الابن الجديدة. فهل ستعود الحرب الباردة الثانية اذا صعد الجمهوريون الى سدة الحكم؟ * باحث جزائري في العلاقات الدولية