عنوان عريض في الصفحة الاولى لجريدة (لوفيجارو) الفرنسية الصادرة يوم الجمعة 18 اغسطس يقول: كارثة الغواصة (كورسك) هي في الواقع غرق السياسة الروسية. هكذا علقت كبرى الصحف الفرنسية على الحادثة التي اصابت الغواصة النووية كورسك في اعماق بحر بارنتس. اما الصحيفة الروسية (ايزفتيا) فقد كتبت معنونة مقالتها يوم الخميس 17 اغسطس بالجملة التالية: (في اللحظة نفسها التي غرقت فيها الغواصة النووية كـ 141 غرق النظام السياسي الروسي) . اما القناة التلفزيونية الاخبارية الروسية الحرة فقد علقت على ظهور الرئيس بوتين مساء الاربعاء قائلة: (لقد ظهر الرئيس بوتين بلباس العطلة المريحة في المياه الدافئة يعلق على المأساة بصوت لا نبرة فيه وهو ينظر بعينين تنقصهما حرارة العاطفة بفداحة الكارثة وياليته لم يظهر لملايين المشاهدين في العالم لأن روسيا تعيش اليوم مأساة اكبر واعمق من مجرد حادثة وقعت لقطعة هامة من الاسطول النووي. ان بوتين يجب ان يستخلص العبرة من هذا الفشل الذريع) اما الصحف الاوروبية والامريكية فقد نشرت بالمناسبة صورا لضباط روس يعيشون مع عائلاتهم واطفالهم في البوارج الحربية التي حولوها الى مساكن دائمة لهم واستقروا على متنها, ما دامت لا تستعمل في مناورات او مهمات, وما دام الضباط لم يتقاضوا رواتبهم لمدة شهور. وبالطبع فإن النقد الموجه للنظام الروسي تجاوز مجرد التعامل الاحمق مع الكارثة ليضع موضع الشك كل السياسة الروسية في مجال العلاقات الدولية والحضور الروسي في العالم. صحيح ان السلطة الروسية رفضت اعانة دول كثيرة تقدمت لمساعدتها على انقاذ 118 بحارا في الغواصة, وكان ذلك الرفض نتيجة كبرياء اخرق لم يعد له مجال في العلاقات الدولية, او نتيجة خوف لا محل له من افشاء اسرار القوة النووية الروسية. وفي هذه الحالة او تلك كان التصرف الروسي مفتقدا للبصيرة السياسية, وقد قال زعيم الحزب الشيوعي الروسي في بيان اذيع يوم الجمعة 18/8 في موسكو بأنه شعر ان فلاديمير بوتين اعطى الاولوية للحسابات السياسية على انقاذ ارواح 118 بحارا روسيا. على كل يبدو ان التعامل مع الكارثة فضح عيوبا كثيرة منها ان الكارثة وقعت يوم 12 اغسطس لا يوم 14 اغسطس كما اعلن عنها رسميا, اي ان 48 ساعة انقضت دون تحرك جدي لانقاذ ارواح البحارة. اما الاكتفاء بالاعلان عن (مجرد عطب فهو كذلك من باب التمويه العسكري الذي انقضت فائدته لأن المخابرات الامريكية على ما يظهر تعلم بدقه بكل تحركات القطع البحرية النووية الروسية على سواحل اوروبا حليفة واشنطن في الحلف الاطلسي. اما الصورة الاعلامية والاتصالية الدامغة التي اعطاها بوتين عن نفسه وهو يعلق على الحادثة بلباس رياضي من منتجعه الصيفي, فهي صورة لا شك صدمت الذهن الجماعي الروسي ـ وكذلك العالمي ـ نظرا لعدم التلاؤم بين فداحة الكارثة وسطحية التعليق. خاصة وهو يأتي من رأس الدولة. كما ان الصور التي بثتها القنوات التلفزيونية والصحف عن سوق (الخردة) الذي اصبح عليه السلاح الروسي بعد انهيار الشيوعية, فيه كذلك صور قوية عن حالة الضعف والوهن التي عليها القوة العظمى السابقة. وهذه الصور تستخدم لاشك وحدانية القوة الامريكية وتعطي الانطباع بأن القطب الروسي غاب الى الابد, وخاصة بعد تجدد كوارث من الصنف نفسه في ظرف السنوات العشر الاخيرة. واذا حللنا الكارثة بعيون الملاحظين المحايدين فإننا بلا شك نخرج بعبرة كبرى هي ان المجهودات الدولية والتعاون الدولي يجب ان تنصب كلها في مجال تدمير الاسلحة الرهيبة او على الاقل التخفيض منها في شكل اتفاقيات متعددة الجوانب لا تستثني الصين الشعبية والاتحاد الاوروبي. وهذا سيظل حلما بعيد المنال اذا عرفنا ان الرئيس كلينتون اعلن وهو متأهب لمغادرة البيت الابيض عن برنامج الصواريخ المضادة للصواريخ... وهو برنامج طموح وعنيف يعيد الروح لبرنامج آخر سيء الذكر هو برنامج حرب النجوم الذي طلع به الرئيس الاسبق رونالد ريجان عام 1983, ثم تخلى عنه الرئيس بوش عندما انهار الاتحاد السوفييتي عام 1989. ان كارثة كهذه الكارثة لابد ان توقظ بعض الضمائر... وخاصة في عالمنا الثالث حتى لا نرث ترسانة الرعب بما وراءها من مصائب بأموالنا وطاقاتنا. استاذ بكلية الاعلام ـ جامعة قطر