هل آن الآوان لرفع الحصار عن العراق بعد عشر سنوات من محنة لا مثيل لها في التاريخ المعاصر بما في ذلك الحالة الالمانية بعد نهاية الحرب العالمية الاولى؟ هناك مؤشرات تترى محملة بدلائل قوية في اتجاه تعاظم رغبة دولية اخذت تتحدى الولايات المتحدة فتنبىء عن اشتداد عزلتها فيما يتعلق بموقفها المتصلب تجاه العراق. من بين هذه المؤشرات ماصدر مؤخرا من آخر جهة يمكن ان ترد على خاطر واشنطن ـ الامانة العامة لهيئة الامم المتحدة ـ جاءت الاشارة الاولى من مدير (برنامج النفط مقابل الغذاء) الذي يدير نيابة عن الامين العام للامم المتحدة عمليات توزيع الاغذية والادوية وضروريات اخرى متصلة بهما في العراق في اطار البرنامج. فقد انتقد (بصورة ضمنية يقترب فيها التصريح من التلميح) الولايات المتحدة في مؤتمر صحفي في بغداد حول مسلكها داخل لجنة المشتريات التابعة لبرنامج النفط مقابل الغذاء حيث درجت على تعويق طلبات السلطات العراقية بشتى حيل المماطلة والمعاكسة. وجدير بالذكر ان المديرين الدوليين السابقين في بغداد استقالا من المنصب ـ احدهما هذا العام والثاني العام الماضي ـ (بوحي من الضمير) . وهذا الاسبوع وقع تطور هو الاول من نوعه. فقد وصف استاذ بلجيكي في القانون الدولي العقوبات المفروضة على العراق بأنها غير قانونية هذا القول يكتسب اهمية خاصة لا لطابعه الاكاديمي وانما لكون البروفيسور مارك بوسوي اورد هذا الحكم في تقرير رسمي كلف باعداده بواسطة الامانة العامة للامم المتحدة وعندما يطعن استاذ قانون غربي في تقرير دولي الطابع في (الشرعية الدولية) التي بموجبها فرضت العقوبات على العراق فإن على العالم ان يصغي. فمثل هذا القول والظروف المحيطة به انما ينسف حجة الموقف الامريكي من اساسها. ورغم انتقاد واشنطن للتقرير الا ان التقرير رفع الى لجنة الامم المتحدة لحقوق الانسان المجتمعة حاليا في جنيف. على خلفية هذه التطورات داخل اجهزة الامم المتحدة اخذت كل من فرنسا وروسيا تصعدان من دعمهما لبغداد بصورة اكثر تحديا للولايات المتحدة. فالحكومة الفرنسية تشجع علنا زيارة يعتزم القيام بها الى بغداد وفد شعبي فرنسي من مشاهير الشخصيات على متن طائرة متوجه رأسا الى بغداد واذا كانت هذه الرحلة المرتقبة تبدو تحديا للخطر الجوي الذي ظلت الولايات المتحدة تفرضه على اجواء العراق فإن الحكومة الفرنسية اعلنت مقدما للملأ ان هذا الحظر الجوي غير شرعي لانه ليس صادرا عن الامم المتحدة. في الوقت نفسه اذيع في موسكو ان وفدا روسيا رفيع المستوى برئاسة وزير شئون الدفاع المدني سيزور بغداد هذا الاسبوع على متن طائرة خاصة تهبط في بغداد في تحد آخر للحظر الجوي الامريكي. وفي هذا السياق نشير ايضا الى تلك الضجة العالمية التي افرزتها زيارة رئيس فنزويلا هوجو شافيز الاسبوع الماضي الى العراق الذي صار بذلك اول رئيس دولة تستقبله بغداد بعد حرب الخليج مما اغضب واشنطن فشنت هجوما اعلاميا مكشوفا على الرئيس الفنزويلي لكن شافيز رد بالمثل. بطبيعة الحال لابد ان تشحذ هذه التطورات المتلاحقة همة المسئولين العراقيين ومما يلاحظ في هذا الصدد ان صوت الدبلوماسية العراقية صار اكثر قوة. اما على الصعيد الداخلي فإن السلطات العراقية فاجأت العالم باعادة افتتاح (مطار صدام) في بغداد عند نهاية الاسبوع المنصرم. يبقى السؤال: هل هذه ارهاصات على طريق نهاية الحصار المفروض على العراق؟ بمعنى هل تزداد عزلة واشنطن بحيث انها قد تعيد النظر في تصلبها تجاه العراق؟ حتى لو افترضنا ان التصلب الامريكي اخذ يتحلل فإن مما لا شك فيه ان واشنطن, مع تصاعد المعركة الانتخابية الرئاسية الى ذروتها ليست في موقف الآن لاحداث تغيير حاسم في قضية كبرى. بناء على هذا الاستقراء فإن اغلب الظن ان الموقف الامريكي تجاه العراق لن يتغير قبل تنصيب الرئيس الامريكي الجديد في يناير العام المقبل. أحمد عمرابي