يتمثل ما يبرز بوضوح من المقارنة بين جوهر الندوات والبرامج في مؤتمر الحزبين الجمهوري والديمقراطي القائلة ان هناك انقساما فلسفيا عميقا لا يزال يفصل بين منهاجي الحزبين في الحكم. وهذا الامر قائم على الرغم من الجهود التي يبذلها كل من الحزبين لتقديم نفسيهما باعتبارهما يتحركان باتجاه مواقع سياسية اقرب الى الوسط. وقد حاول مؤتمر الحزب الجمهوري ان يصور ذلك الحزب على انه اكثر تعاطفا واحتواء لشتى الاتجاهات واعتدالا في توجهاته, ووضع ممثلو جماعات الاقليات في مواضع بارزة, وطرحت موضوعات نادرا ماسمع بها احد في التجمعات الوطنية الجمهورية. وسعى الجمهوريون بدورهم لتصوير حزبهم على انه يتحرك باتجاه اكثر وسطية وكان ترشيح السيناتور جوليبرمان نائبا للرئيس, وهو يعد واحد من اكثر اعضاء مجلس الشيوخ الديمقراطيين اعتدالا كان مؤشرا الى هذا المنهاج في التحرك تماما كما ركز الجمهوريون على موضوعات جمهورية تقليدية مثل تطوير دفاع قوي, والحد من الجريمة ورفع شأن القيم. ان هذا المفهوم القائل ان الحزبين كليهما قد اضفيا طابع الغموض على الفوارق التي كانت تفصلهما يوما, هو كذلك جوهر رسالة رالف نادر المرشح الرئاسي عن حزب الخضر وبات بوكانان مرشح حزب الاصلاح, ويشكو نادر من ان الديمقراطيين قد تخلوا عن جذورهم الليبرالية, بينما يعرب بوكانان عن سخطه على ما يسميه بانجراف الحزب الجمهوري الى الليبرالية. وبينما تحظى هذه الملاحظات ببعض الوجاهة في جوهرها, الا ان الحزبين يظلان بشكل اساسي ملتزمين بمواقفهما التقليدية وبمنهاجيهما في الحكم. وهذا ينعكس في برامج كل منهما وفي تكوين ناشطيهما الاساسيين. وعلى سبيل المثال فإن الجمهوريين يزعمون انه اكثر احتواء على شرائح مختلفة من المجتمع, ولكن دراسة للمندوبين في المؤتمر القومي اوضحت ان 90% منهم من البيض ووصف 75% منهم انفسهم بأنهم محافظون وقال 75% منهم انهم يكسبون اكثر من 75 ألف دولار سنويا (25% منهم تقريبا ينتمون الى فئة المليونيرات). وبينما يطرح الديمقراطيون انفسهم على انهم اقل ليبرالية فإن مندوبيهم لديهم مواقف ليبرالية للغاية من مختلف القضايا, حيث اعرب 73% منهم عن اعتقادهم بأن الحكومة ينبغي ان تقوم بالمزيد لحل المشكلات القومية (مقابل 4% من الجمهوريين الذين اعربوا عن وجهة النظر نفسها) كما ابدى الديمقراطيون معارضة قوية لعقوبة الاعدام, وحبذ ما يزيد على 87% منهم برامج حكومية لمساعدة الاقليات على التعويض عما تعرضت له من تمييز في الماضي. غير ان عنصر الانقسام المحوري الذي برز بين الحزبين ليست ما يسمى بالقضايا الاجتماعية ومسائل القيم, وانما مناط النقاش الرئيسي بين الجمهوريين والديمقراطيين سيكون المسائل المتعلقة بالميزانية والضرائب. ومع توقع الحكومة الاتحادية لفائض مرتقع قياسي خلال السنوات العشر المقبلة, فإن الجمهوريين يقترحون تخفيضات ضريبية كبيرة, وذلك كما يقولون: (لاعادة المال الى ملاكه الشرعيين) وقد صبغت الايديولوجية الجمهورية المحافظة على الدوام من خلال استفظاع التدخل الحكومي, حيث كان شعار الجمهوريين: (الحكومة التي تحكم في الحد الادنى هي الحكومة الافضل) . ومن هنا فإن الفائض المنتظر يتيح للجمهوريين الفرصة لتقليل حجم الحكومة بتخفيضات ضريبية هائلة. وفي الوقت نفسه, فإن المنهاج الجمهوري في التعامل مع المشكلات العديدة الراهنة التي تواجه الامريكيين وفي مقدمتها الحاجة الى تحسين النظام التعليمي وانقاذ برنامج الضمان الاجتماعي وتوفير تغطية اكبر من العناية الصحية لكبار السن ـ هذا المنهاج في التعامل مع هذه المشكلات هو في جوهره خصخصة هذه البرامج. وبدلا من استثمار اموال جديدة في تحسين النظام التعليمي للأمة فإن الجمهوريين يقترحون تقديم منح تغذية لعائلات مفردة (وهذاعمليا يعني خصما من الضريبة) بحيث يتاح لها ان تلحق ابناءها بمدارس خاصة وبالمثل فبدلا من الاستمرار في مواصلة تقوية البرنامج القومي المسمى بـ (الضمان الاجتماعي) فإن الجمهوريين يقترحون السماح للافراد بتجاوز برنامج المعاش التقاعدي الاجباري الجديد واستثمار اموالهم في الاسهم او السندات. ويعارض الديمقراطيون هذا المفهوم القائل بأن الحكومة شر ويعتقدون ان استخدامهم الافضل للبرامج الحكومية والمسئولية المالية هو الذي اوجد الرخاء الامريكي الراهن وهم يقترحون استخدام الفائض بأربع طرق: 1) تقديم بعض التخفيضات الضريبية المحدودة للامريكيين من ذوي الدخل المتوسط. 2) تسديد الدين القومي المتراكم الى حد كبير في الثمانينيات. 3) توفير الضمان الاقتصادي للضمان الاجتماعي وبرامج الرعاية الصحية. 4) تأمين الارصدة الضرورية للانفاق الاجتماعي الذي تمس الحاجة اليه في التعليم ومكافحة الجريمة وحماية البيئة وتحسين الرعاية الصحية للاطفال والمسنين. وينضم الى هذا النفور الجمهوري من الحكومة والترويج للنزعة الفردية الهجوم الديمقراطي الشعبوي على (المصالح الخاصة) للمؤسسات والشركات الكبرى. وينصب جام سخط الديمقراطيين هذا العام على شركات السجائر والنفط والادوية ومنتجي الاسلحة ولوبي الاسلحة ومنظمات ادارة الصحة. ويذهب الديمقراطيون الى القول انه بسبب الضغط الذي تمارسه هذه الكيانات فإنهم لم ينجحوا في تمرير مشروع قانون ينتج الاصلاحات والضوابط التي تمس الحاجة اليها. ويرد الجمهوريون على ذلك باتهام الديمقراطيين بالاستسلام لضغط (مصالح خاصة) متعلقة بهم, وبصفة اساسية من جانب الحركة النقابية التي تم اضعافها في وقت من الاوقات, ولكنها تستعيد عافيتها الآن, وكذلك من جماعات الضغط التي تتمحور حول قضايا بعينها, وبصفة خاصة جماعات الضغط التي تمثل النساء والاقليات ودعاة حماية البيئة. وكنتيجة لهذه الضغوط المتنافسة, فإن هناك خلافات بين الديمقراطيين والجمهوريين فيما يتعلق بقضايا مثل ضبط انتشار الاسلحة, الاجهاض, الحد الادنى للاجور, والحقوق المدنية. ومن المؤكد ان هناك مجالات للاتفاق, فقد ايد الحزبان كلاهما توسيع نطاق (حرية التجارة) وهي قضية اعطت دفعة لكل من حملتي نادر وبوكانان ويذهب نادر الى القول ان حرية التجارة تلحق الضرر بحقوق العمال الامريكيين وتشجع على استغلالهم وعلى الاضرار بالبيئة على المستوى الدولي. ويذهب بوكانان الى القول ان حرية التجارة تضعف السيادة الامريكية, ويهاجم كل من مرشحي حزبي الاقلية كذلك الديمقراطيين والجمهوريين لعدم تطبيقهما الاصلاح لتمويل الحملات الانتخابية. ولكن نقاط الاتفاق المحدودة هذه لا تمحو الخلافات العميقة التي تظل قائمة, وينتهي الحزبان الكبيران على الرغم من تقاربهما العرضي من المواقف الوسطية فيما يتعلق ببعض الموضوعات الى التشديد على فلسفتيهما التقليدية ونقاط اختلافهما, وفي هذه الانتخابات فإن نقاط الخلاف تلك هي التي ستكون بؤرة السجال المستمر. رئيس المعهد الامريكي العربي