لم تعد المرحلة الحالية التي تمر بها عملية التسوية تتحمل المزيد من الضغوط الامريكية والابتزازات الاسرائيلية للجانب الفلسطيني. فمنذ فشل قمة كامب ديفيد الثانية وحتى يومنا هذا ومسلسل الابتزازات الاسرائيلية مستمر وبإخراج امريكي محكم لتفريغ القضية من محتواها الرئيسي وحمل الجانب الفلسطيني على تقديم تنازلات الرمق الاخير فيما يتعلق بالقدس المحتلة وعودة اللاجئين الفلسطينيين والمستوطنات. ويجد الرئيس الفلسطيني ياسر عرفات نفسه في موقف صعب, فهو مطالب من اسرائيل بابداء (مرونة) ومطالب من الفلسطينيين والعرب والمسلمين بعدم التخلي عن القدس. والمرونة التي تريدها اسرائيل هي التخلي عن الثوابت والاستحقاقات الاساسية والقبول بأي فتات تقدمه في شكل مسرحي تبدو فيه انها تتنازل امام اليمين الاسرائيلي. لم تقنع اسرائيل بعد (بالمرونة) التي ابداها الطرف الفلسطيني في استحقاقات المرحلة الانتقالية التي لم ينفذ منها إلا النزر اليسير وتريد القفز على مرونة نهائية تلائم اطماعها. ورغم التنازلات التي قدمها الجانب الفلسطيني طيلة مسيرة التسوية من مدريد واوسلو وحتى هذه المرحلة فإن هذا لم يقنع الجانب الاسرائيلي الذي يريد المزيد ولا يجد حرجا بالتمادي في المغالطة والمنطق المعكوس الذي يجعله يتبجح قائلا ان الفلسطينيين لا يبدون رغبة في تحقيق السلام! وحتى الجولات المكوكية العربية والدولية للرئيس عرفات لم تحقق نتائجها المرجوة حيث لوحت له اكثر من عاصمة غربية بالاشارة الحمراء, إذ انفرد باعلان الدولة من جانب واحد في الموعد المقرر لها 13 سبتمبر المقبل, الامر الذي جعل عرفات يلمح الى امكانية تأجيل ذلك القرار, لكن هذه (المرونة) ايضا لم ترض اسرائيل. عرفات اذن بين نارين: ضغوط اسرائىلية وامريكية محكمة لتقديم تنازلات اختاروا لها تعبير المرونة, وتمنيات عربية واسلامية بالثبات على موقفه والتشبث بالحقوق الاساسية وعدم التفريط بها. لكن حقيقة الامر التي يجب على الجميع ادراكها ان تحديات المرحلة تفوق طاقة عرفات والجانب الفلسطيني الذي من حقه ان يجد ظهيرا عربيا قويا لموقفه فيجاوز مرحلة القول الى مرحلة العمل الذي يدعو اليه العقلاء جميعا دائما وهو عقد قمة عربية موضوعها الرئيسي والاساسي هو القدس وعملية السلام ومتابعة تنفيذ ما سيصدر عنها من قرارات حتى تفهم اسرائيل وامريكا من ورائها اننا لم نصل بعد لمرحلة الهوان والوهن كما تظنان.