يقول الكاردينال جول مازارين في كتابه (دليل الرجل السياسي) : (أولئك الذين يعرفون العديد من اللغات, ينقصهم الحكم الدقيق أحيانا, لأن الذاكرة المتخمة تخنق الذكاء) . مازارين يعتبر أحد أشهر السياسيين والدبلوماسيين في التاريخ لدرجة ان البعض أطلق عليه (أبو الدبلوماسية) حيث استطاع أن يصل إلى أعلى درجات السلطة السياسية في فرنسا في عهد لويس الرابع عشر, وأصبح الملك غير المعلن للبلاد, بعد أن كان فقيرا معدما من عائلة ايطالية لا تملك قوت يومها في روما, وذلك بفضل شخصيته الغنية, وذكائه الشديد, وحنكته السياسية التي بدأت تظهر آثارها عليه وهو في سن مبكرة جدا.. كل هذه الصفات وغيرها حولته من سفير روما في باريس إلى كاردينال فرنسا أي بمعنى رئيس وزراء الملكة. ومع ذلك نعود إلى رأىه في تعدد اللغات فهو يرى ان اتخام الذاكرة بلغات عديدة تخنق الذكاء, ويبدو ان معظم الزعماء أخذوا هذه الفكرة, وطبقوها. ولكن إلى درجات مبالغ فيها أحيانا ومنها على سبيل المثال القصة التي روتها سفارة اليابان بواشنطن عند لقاء رئيس الوزراء الياباني فوجي موري بالرئيس الأمريكي بيل كلينتون, خلال الزيارة الرسمية التي قام بها موري إلى واشنطن. وكان موري قد دخل في دورة مكثفة لتعلم بعض القواعد الأساسية في اللغة الانجليزية قبل الزيارة حيث قال له المعلم: (سيدي عندما تلتقي كلينتون, صافحه يدا بيد وقل له: (How are you?) .. وبطبيعة الحال سيجيب الرئيس الأمريكي عليك بقوله: (I am fine, and you?) .. عندها تجيب على الفور: (me too) .. بعد ذلك يا سيدي أترك الموضوع برمته على المترجم الذي سيقوم بأداء المهمة كاملة.. وبالرغم من ان الموضوع سهل للغاية إلا ان ما حدث تسبب في صدمة كهربائية للرئيس الأمريكي, حيث قام موري بمصافحة كلينتون وقال له بخطأ غير مقصود: (Who are you?) .. فعلت الدهشة على وجه الرئيس الأمريكي بشكل ملفت, فكيف يسأله رئيس وزراء اليابان هذا السؤال.. ألا يعرف من يكون رئيس أقوى دولة في العالم, وهو الذي جاء لزيارته من أقصى الشرق.. ولكن كلينتون وبروح الدعابة الأمريكية أراد أن يضفي نوعا من البهجة على اللقاء, وأخذ الموضوع على محمل المزاح بعد أن أوهم نفسه ان موري يمازحه فأجاب ضاحكا: أنا زوج هيلاري!! فما كان من موري إلا أن أجاب وبناء على تعليمات (المعلم): (me too) !! فكانت الصدمة الثانية لكلينتون.. أعقبتها فترة سكوت طويلة في قاعة الاجتماعات مليئة بالذهول والدهشة من كافة الحاضرين قبل أن يتدخل المترجم!! وعلى العموم هناك الكثير من الأخطاء الدبلوماسية من هذا النوع تحدث بين فترة وأخرى خلال لقاءات الزعماء بعضها يكون طريفا ومقبولا, والبعض يتسبب في أزمة حقيقية بين البلدين.. ومن الأخطاء الدبلوماسية الشهيرة وغير المقصودة أيضا ما حدث للرئيس الأمريكي كارتر عندما قام بزيارة الهند والتقى مع مضيفه (مورارجي ديزيه) .. وبعد اللقاء تحدث الرجلان إلى الصحافة وصرحا بأن اللقاء كان ودياً للغاية. وفي الواقع كان اللقاء عكس ذلك تماما, حيث اختلف الاثنان كثيرا حول المشاريع المتعلقة بالمساعدة النووية التي تقدمها الولايات المتحدة.. كارتر نسي ان كل أقواله تدون عند مراسلي التلفزيون الذين كلفهم البيت الأبيض بمتابعة فقرات الزيارة فقال لأحد مساعديه ان رئيس الوزراء الهندي لم يعطه انطباعا جيدا. وانه يفكر في ضرورة ارسال رسالة باردة وجافة جدا له عند عودته إلى أمريكا.. طبعا التلفزيون الأمريكي نقل التصريحات ثم نشرت الصحف تصريحات كارتر في اليوم التالي.. لتبدأ الأزمة!! وفي موقف آخر شبيه كان دوق (ايدينبرج) ممن يفضلون القول الصريح على المواربات الدبلوماسية, وذهب ذات مرة إلى كينيا لحضور الاحتفال بذكرى الاستقلال, ولحظة رفع علم الاتحاد اقترب الأمير فيليب من الرئيس (جومو كنياتا) وقال له: (هل أنت متأكد انك قادر على الصمود حتى النهاية؟!) .. ولسوء الحظ كانت مكبرات الصوت على المنصة الرئيسية ما زالت موصولة فاستمعت الحشود المصغية إلى كل ما قيل!!.. ومن المواقف الطريفة التي حدثت في البيت الأبيض في عهد الرئيس الأمريكي (كالفين كوليدج) , فعندما انتخب لتوه رئيسا للولايات المتحدة, فدعا مجموعة من أصدقائه (القرويين) إلى العشاء, وبما أنها المرة الأولى التي يدخلون فيها البيت الأبيض بزخارفه وصالاته, والأضواء المسلطة من كل صوب, فقد قرروا أن يقلدوا الرئيس في كل حركة يقوم بها حتى يحافظوا على (الايتكيت) الرئاسي. وبالفعل جلسوا على المائدة وفعلوا مثل الرئيس في كل حركة يفعلها عند الأكل.. ولما صب الرئيس نصف قهوته في صحنه الصغير حذوا حذوه.. ثم أضاف إليها القشدة والسكر فحذوا حذوه.. وأخيرا وضع (كالفين) صحنه على الأرض - لقطته!! وأذكر عندما شاهدت مسرحية (الواد سيد الشغال) لعادل إمام ان الجمهور انفجر من الضحك عندما انتزع الواد سيد الشغال عن طريق الخطأ (باروكة) إحدى المدعوات في الحفل فظهرت (صلعتها) .. ولكن هل يمكن تخيل هذا المشهد بالضبط على أرض الواقع وفي حفل عام للطبقة الارستقراطية وقبل مسرحية عادل إمام بعشرات السنين, عندما كان أحد الدبلوماسيين البريطانيين يتحدث إلى قائد من أمريكا اللاتينية خلال الحفل وكان يشير بيديه ليدعم حديثه, ولسوء الحظ أوقع الشعر المستعار الذي كان يغطي رأس السيدة الجالسة إلى جانبه.. وكانت صلعاء بالفعل.. لتبدأ بعدها الأزمة!!