سوف يخطىء الحكم في مصر ان لم يرتكب الخطيئة, اذا ما قرر اسدال الستار على مهزلة الخطاب السياسي الامريكي المهين للشعب المصري ممثلا في رئيسيه حسني مبارك عبر المقولة الدارجة (عفا الله عما سلف) , لكأن ما حدث من وراء ظهر الرئيس كلينتون, وان المقال الذي نشرته صحيفة (نيويورك تايمز) مسئولية كاتبه الصحفي الامريكي اليهودي توماس فريدمان دون سواه! ليس هناك مصري عاقل او متشدد مهما كانت كراهيته الشخصية او العقائدية للسياسة الامريكية, يطالب الحكومة المصرية بإعلان الحرب سياسيا واعلاميا واقتصاديا ضد امريكا, باعتبار ان السن بالسن والبادىء اظلم, وكون لكل فعل رد فعل مضاد من حيث القوة والتوقيت, لا نقول ان الهجوم المصري المضاد مستحيل, ولا هو دعوة للانتحار, وانما لأن الظروف الموضوعية لم تنضج بعد لاتخاذ قرار مسئول في هذا الخصوص, لكن المطلوب من الآن فصاعدا ترتيب الاوضاع واهبة الاستعداد لاسوأ الاحتمالات التي قد تتمخض عنها نتائج انتخابات الرئاسة الامريكية, في ضوء التنافس المحتدم بين مرشحي الحزبين الديمقراطي والجمهوري على كسب اصوات اليهود, والمزايدة على سلب الفلسطينيين حقوقهم المشروعة في القدس, وعودة اللاجئين, ووقف عمليات التوسع والاستيطان الصهيوني, وكذا توافق ارادة الحزبين على نقل السفارة الامريكية من تل ابيب الى القدس, فضلا عن تحجيم الدور المصري في مجاله العربي الحيوي! والشاهد ان الرئيس كلينتون كشف عن وجه امريكا القبيح في مفاوضات كامب ديفيد 2 عندما دار بخلده ان 30 مليار دولار حجم المساعدات الامريكية لمصر كفيلة بتليين موقف مبارك, واقتناعه طوعا دون حاجة الى تنبيه او ضغوط, للقيام برد الجميل والوفاء بالدين, عبر الضغط على ياسر عرفات حتى يسلم بمطالب غريمه ايهود باراك, ولم يكن مبارك مؤهلا للقيام بهذا الدور الخياني, اولا لكون تاريخه العسكري المشرف موصول عضويا بالدفاع عن حقوق الشعب الفلسطيني على الصعيد القومي, واستعادة سيناء المحتلة الى الوطن الام على الصعيد الوطني, ثم ان مصر شريك اصيل في عملية السلام على مختلف المسارات العربية وليست مجرد وسيط او سمسار كما خيل لامريكا, واذا كان مصير القضية الفلسطينية تحسمه الارادة والقرار الفلسطيني, فإن مصير القدس على وجه التحديد شأن يخص العرب المسلمين والمسيحيين لما تمثله من اهمية تاريخية وروحية. من هنا نحسب ان تداعيات الشرخ الذي اصاب العلاقات المصرية الامريكية باتت مفتوحة على كل الاحتمالات, ولا مفر من اعادة النظر في آلياتها واهدافها وجدواها, خشية ان تتحول في ظروف مستقبلية مشابهة الى مصدر قوة للجانب الامريكي واذعان للجانب المصري بمعنى ضرورة التحقق من درجة مصداقيتها وفقا لمعايير التكافؤ والندية, دون خداع للنفس او تجاوز لعلم السياسة واعراف العلاقات الدولية, حيث لا صديق دائم ولا عدو دائم, وانما مصالح مشتركة تكتسب صفة الدوام او المرحلية, وعلى سبيل المثال فقد دعت مصر الى عقد القمة العربية في القاهرة التي منحت التحالف الدولي شرعية تحرير الكويت, لكن مصر رفضت من بعد مجاراة امريكا في مخططها الرامي الى استدامة العقوبات المفروضة على العراق وتقسيمه وانهاكه وابادة شعبه, وعارضت تعاون امريكا مع المعارضة العراقية لاسقاط صدام حسين باعتبارها من اعمال الهيمنة والتدخل في شئون دولة مستقلة ذات سيادة, في الوقت الذي لم تتورع امريكا عن التعامل مع جماعات الارهاب الاصولي التي ظلت تواصل زعزعة الامن والاستقرار في مصر, والى حد منح عناصرها حق اللجوء السياسي, ثم تراجعت عن التعاون معها منذ بدأت تكتوي بنارها! السؤال الآن: هل لا يزال انتعاش الاقتصاد المصري رهن المعونة الامريكية ورغم انها تتدنى كثيرا عما تقدمه لاسرائيل بسخاء سرا وعلانية ورغم ان مصر رتبت اوضاعها منذ سنوات على تخفيضها تدريجيا توطئة لوقفها تحت ضغط الكونجرس بعد انهيار الاتحاد السوفييتي ونهاية الحرب الباردة, يظل المطلوب البحث عن بدائل عبر تنشيط الاستثمارات العربية في مصر, ووضع الخطط الكفيلة بالاعتماد على الذات, واعادة النظر في توابع المعونة الامريكية, وخاصة سياسة الخصخصة, بالعدول عن بيع مؤسسات القطاع العام على عجل وبأبخس الاسعار, رغم نفعها العام وربحيتها المحققة التي ذهبت تباعا الى جيوب المضاربين والاجانب وافرزت بشكل او بآخر ظواهر اتساع الفروق بين الطبقات بعد ان اوشكت على التلاشي, ونهب المال العام والهروب بقروض البنوك الى الخارج, ثم نتوقف اخيرا امام اسوء الاحتمالات المتمثلة في قطع المعونة العسكرية الامريكية بالنظر الى ان معظم سلاح القوات المصرية من الترسانة الامريكية, مما يفرض التدريب عليها بواسطة خبراء امريكيين, وهو جانب هام يدخل في مكونات عقيدتها القتالية, ونحسب ان تجاربنا وخبراتنا السابقة في هذا المجال حاضرة, فيما اذا عادت (ريمه الى عادتها القديمة) حين رفضت امريكا تسليح الجيش المصري بعد ان تعرض للعدوان الاسرائيلي في غزة, وتراجعت عن تمويل السد العالي, اذ في كل الظروف والاحوال ومهما واجهت مصر من المآزق والتحديات تظل شامخة ولا تضيع ابدا, وصدق رئيس المجمع العلمي في عهد الخديوي اسماعيل حين قال: (ان جميع حلول مشكلات مصر كامنة في تربتها) ولعلنا نضيف (وفي وحدتها او تكاملها مع السودان) ولعلنا وعينا اخيرا الدرس فلا نضع كل بيضنا في سلة واحدة!