ماهي صورة الغد؟ بعد اربعين يوما في الخرطوم توصلت الى قناعة بأن لا احد يعرف اجابة محددة وقاطعة لهذا السؤال الكبير.. لا النظام ولااقطاب المعارضة ولا سواد الناس العاديين الذي تصادفهم في اي مكان. تحت وطأة الحرب في الجنوب والتذمر الجماهيري من كلفة المعيشة يستشعر رجال النظام جسامة عبء الحكم فيضاعفون مساعيهم للتوصل مع قادة المعارضة الى صيغة سياسية تتضمن توسيع قاعدة السلطة. لكن الزعماء المعارضين ليسوا على قلب رجل واحد.. الامر الذي يجعل من الصعب تحقيق الصيغة المنشودة وحتى داخل فصائل المعارضة فإن الشقاق بين الزعماء والمتزعمين لا يقل شأنا عن الخصومة العامة بين النظام والمعارضة ككل. والشقاق في الحقيقة هو الطابع في المشهد السياسي عامة. الصف الحكومي انشق بعد القطيعة الحاسمة في تنظيم الجهة الاسلامية القومية فانشطرت الى حزبين متواجهين: (المؤتمر الوطني) وهو حزب الجناح الحاكم.. و(المؤتمر الشعبي الوطني) وهو حزب د. الترابي الذي تتحرك زعامته بدوافع ثأرية ضد قيادات السلطة. وعلى خلفية انشقاق (التجمع) المعارض بعد خروج (حزب الامة) منه فإن التنظيم الكبير الآخر (الحزب الاتحادي الديمقراطي) انقسم الى عدد من الجماعات يدعى قائد كل منها انه دون غيره يمثل الزعامة الشرعية للحزب. واذا كنت من مؤيدي الحزب القدامى فإنك لن تعرف مااذا كانت القيادة الشرعية تتمثل في سيد احمد الحسين ام علي محمود حسنين ام علي السيد ام الشريف الهندي ام حاج معنوي.. فكل منهم يطعن في شرعية الآخر وبعضهم يطعن في مدى شرعية الزعيم الاكبر المقيم في الخارج.. محمد عثمان الميرغني. حتى (حزب الامة) نفسه صار جناحين متصارعين رغم ان كيانه السياسي متماسك وقيادته موحدة في شخص رئيسه الصادق المهدي. احد الجناحين يقتدي بتوجه رئيس الحزب نحو اعتماد الحل السياسي هدفا والحوار السلمي مع النظام اسلوبا. اما الجناح الآخر فيبدو انه يحبذ التشدد مع النظام.. ولو انه لا يعتمد العنف كأسلوب للتعامل معه. اما حركة قرنق فإنها تواجه تمردا علنيا متصاعدا من قسم كبير من المثقفين والسياسيين الجنوبيين في الداخل والخارج بقيادة السياسي المخضرم بونا مالوال الذي كان حتى وقت قريب جدا من اقوى مؤيدي قرنق, خاصة انه ينتمي الى نفس القبيلة (الدنيكا) هؤلاء الساسة والمثقفون الجنوبيون اعلنوا على لسان بونا انهم ضاقوا ذرعا بمناورات قرنق السياسية التي تهدف الى اطالة امد الحرب في الجنوب لأجل غير مسمى. واذا كانت هذه هي صورة اليوم فإنها تنبىء عن صورة الغد. ففي افضل الاحوال ـ اذا افترضنا نجاح مساعي الوفاق الوطني عند نهاية المطاف ـ فإنه حتى لو انعقد اخيرا (مؤتمر الحوار الوطني) في القاهرة او طرابلس كثمرة للوساطة المصرية الليبية فإن الخلافات والثقافات بمناوراتها سوف تنتقل الى مائدة المؤتمر. وحتى لو افترضنا ان الفرقاء على صعيدي الحكم والمعارضة استطاعوا بضغوط مصرية وليبية الاتفاق على نظام كامل للديمقراطية التعددية تسبقه فترة انتقالية فإن الشقاق السياسي والكيد الحزبي سوف يكونان الطابع المميز لاي وضع مستقبلي. وفي الخلفية سوف تبقى حرب الجنوب مستعرة بامدادات السلاح والدعم السياسي الامريكيين الى قرنق في غياب اجماع قومي لمواجهة الولايات المتحدة. أحمد عمرابي