هل تستطيع القدس ان تجمع العرب على امر واحد ينتزع منهم موقفا موحدا حيالها, ام ان خلافات العرب اكبر واعظم شأنا من كل مقدساتهم ومن مصيرهم ذاته؟! اطرح هذا السؤال في وقت اشتد فيه تفاعل حدث له تأثير شامل في مجرى الصراع العربي ـ الصهيوني, وعلى القضية الاساس قضية فلسطين, وعلى جوهر تلك القضية وما يتصل بها من معطيات: القدس ـ عودة الشعب الفلسطيني الى وطنه ـ الدولة ـ الحدود ـ السيادة ـ الاستيطان.. الخ, وهو التسوية المطروحة في (كامب ديفيد) الثانية تلك التي يجري اجتذاب نظر العالم وتجسيده من اجل مباركة ما تسفر عنه التسوية من نتائج هي بكل المقاييس ضد مصلحة الشعب الفلسطيني وعلى حساب الحقوق التاريخية للامة العربية, وعلى حساب حيوية حضورها وتأثيرها في الاحداث المهمة والقرارات المصيرية. لا اتطلع الى قمة عربية توحي بها, او تتحكم بنتائجها الادارة الامريكية ـ الصهيونية ولا الى غطاء عربي من اي نوع لتنازلات جديدة فريدة يقدمها عرفات لباراك المأزوم بتفويض يحصل عليه: عربيا واسلاميا بمساعدة امريكية ولا الى تصريحات وبيانات فاقعة مفرقعة تشحن الفضاء العربي بغبار العبارات.. ان ما اتطلع اليه موقف واضح دقيق صريح يقدم حقائق الاستراتيجية السياسية لكل قطر عربي حول موضوع القدس, بكل ما تعنيه القدس وما ترمز اليه وما تتصل به من ابعاد الصراع العربي ـ الصهيوني. على ان يكون هذا الموقف مقترنا بتوفير امكانيات والقيام بفعاليات تترجمه اداء ناجزا في ارض الواقع بعيدا عن الشعارات والمزايدات والاقنعة والعنتريات التاريخية لبعض الانظمة والشخصيات العربية. ومن ثم نستطيع ان نستنتج من مجمل المواقف القطرية الرسمية حصيلة رسمية ايضا تشكل الحد الادنى المتفق عليه بشأن القدس ـ القضية, والقضية التي ترمز اليها القدس. قد ينصرف الظن الى التماس ذلك الموقف في اجتماع لجنة القدس, التي ستجتمع قريبا في الرباط, وهي تمثل رأيا رسميا بحكم تشكيلها بقرار رسمي, انني لا اذهب ذلك المذهب ولا اعلق على اللجنة وقراراتها اهمية كبيرة, فقد كانت منذ عقود, ولم تفعل شيئا منذ عقود, وسيستمر التهويد والابتلاع والتشريد والتأسيس لتدمير المقدسات واجراء التصفيات والتسويات واللجنة شريك بحكم صمتها وشريك بحكم وجودها شريك يعفي الآخرين من المسئولية. ان المطلوب قرار رسمي من كل قطر امام جماهيره وجماهير الامة, لا يتنصل منه بحكم مناخ ما فرضه ولا يفرض تنفيذه بحجة انه لم يدرس جيدا ولم يكن شريكا كامل الشراكة والحرية في اتخاذه, قرار يحدد موقفا تاريخيا في لحظة تاريخية من قضية بحجم القضية الفلسطينية والقدس. ولا اقول ان مثل هذه القرارات المعلنة سوف تغير الوضع السائد, وما تنزع اليه بعض الاطراف العربية من فعل يتصل بجوهر الصراع, وانما اقول بكل تأكيد ان مثل تلك المواقف والقرارات تضع الجماهير العربية والمثقفين والمنظمات القومية والاحزاب والشرائح الرافضة للتسوية والتصفية واتفاقيات الاذعان ونهج سلام الاستسلام, امام حقائق ومعطيات تخص كل ساحة من ساحات العمل والنضال العربيين لتتمكن تلك الفئات من الرؤية والتقدير والمواجهة والتدبير. صحيح انها لا تملك القوة التي تغير بها الامور الآن, ولكنها ستملك المعلومة وحقائق المواقف والمعطيات والامكانيات التي تمكنها من اتخاذ موقف ورسم سياسة تحرك وتحديد اختيار. وهنا يبرز سؤال ذو شعب: هل ستكون الجماهير في خندق غير خندق السلطة في كل بلد عربي وهل تملك ان تكون كذلك؟! واذا ملكت الحق النظري فما هي الامكانيات العملية التي تجعلها قادرة على التحرك لاحداث التغيير في الموقف والقرار والاختيار؟! واذا فرضنا جدلا انها ملكت الحق والقدرة والارادة والقرار وغيرت باتجاه موقف جذري مغاير لاختيارات سلبية قد تختارها انظمة عربية فهل تستطيع ان تملك قوة توازن بها الوضع المختل لمصلحة العدو الصهيوني, والوضع الدولي المختل لمصلحة الولايات المتحدة الامريكية وحلفائها؟! ومن ثم.. أليست هذه الجماهير منخورة بأشكال مختلفة شأنها في ذلك شأن الانظمة العربية ـ بتدخلات وتأثيرات واجهزة وهيئات اهلية ومراكز ابحاث ووسائل اعلام, وبأقلام (شجاعة؟!) تعمل كلها في عمق احشاء الامة لما فيه خدمة الجهات الممولة وكثرة عربية تبحث اليوم عن التمويل ـ امريكية واوروبية وصهيونية ـ اسرائيلية مباشرة؟! فكيف يمكن ان تملك الجماهير الوعي والقدرة على اتخاذ القرار وشق طريق الخلاص, وهي مدخولة بما يشوش الرؤية ويشوه القرار ويشل الارادة! انني لا اقلل من كثرة الاخطار والمشكلات والازمات.. واقول بضرورة الفرز بداية موضوعية علمية سليمة لاتخاذ القرار وتحديد التوجه والادوات والوسائل والمواجهات, واخطر ما يفتك بنا هو حالة الفوضى والضياع والتشتت التي تسيطر على قطاعات كبيرة.. وتترك الرأي يترجح بين خيارات سلبية واخرى ايجابية جراء عدم الوضوح وسيادة مناخ تفرخ فيه المراوغة وينمو فيه الرأي العفن, وتغيب فيه الارادة الجماعية او تغيب بأشكال مختلفة منها: الانتظار على حافة القرار المبدئي لمدة عقود من الزمن؟! نحن بحاجة الى الوضوح.. ومن ثم الى تحديد الخيار المبدئي في ضوء الوضوح. وعندما نصل الى مرحلة حسم المواقف بتحديد الاختيارات.. يبدأ عمليا اعداد النفس والمجتمع والدولة ومن ثم الامة لعمل كبير.. من المهم ان ينتهي وقت البلبلة الفكرية والسياسية والاجتماعية الذي طال.. ويراد له ان يطول الى ابعد مدى.. وان تدخل الاطراف الاجتماعية والفكرية الفاعلة في رغبة الكلام ثم تستغرق في رغوته مدى الزمن.. في حين يعمل العدو وحلفاؤه واعوانه وعملاؤه على الارض, ويحفرون الخنادق من تحت ارجلنا, كما يحفرونها تحت المسجد الاقصى لتقويض: الاجتماعي والفكري, والمقدس بشكل تام. اما السياسي فسيجد طوق نجاة طافيا في مكان قريب, يتعلق به ويمارس السياسة ليشكل غطاء لظاهرة الموت.. لكي يستمر الموت وتترمد الارادات والارواح, وتفقد العنقاء.. يفقد تموز والفينيق كل القدرة على التجدد والانبعاث والقيام من الحرائق والتخلص من الرماد. القدس اليوم صناجة العرب.. وما القدس الا عبقها الروحي, ورمزها التاريخي ودلالاتها في كل اتجاه... وموقعها من قضية العرب المركزية. وهنا ينهض من مرمدة النفس سؤال: اذا اصر العرب على القدس الشرقية قدس الرابع من يونيو 1967, واخذوها وملكوا الاماكن المقدسة واحكموا سيادة فلسطينية عليها؟! فما الذي يبقى من حجج لمن يرفضون (السلم) والتطبيع مع الكيان الصهيوني؟! لا سيما وهم يعرفون مدى ما لدى امتهم من قوة ومدى ما للغير من قوة؟؟ الحق اقول: انني اكاد اسمع قهقهات في المدى تنبعث من حاخام شاس عوباديا يوسيف تمتزج وتتنامى مع قهقهات المروجين للكيان الصهيوني في عواصم عربية.. وانظمة عربية.. وتدفقات الحبر يرسم كلمات عربية بأقلام (عربية) وهي قهقهات تؤكد حقائق منها: لن يأخذ العرب القدس الشرقية, قدس الرابع من يونيو 1967 وسوف يقبلون بذلك يوقعون اذا اخذوا بعض المقدسات فيها ورفعوا فوقها راية لا ظل لها على الارض من تحتها. لا يوجد ما يدل على ان العرب سيختارون اختيارات جذرية مما يدعو اليه (المتشددون) فهم امة انتهت الى التسليم بالقطرية وامراضها وبالتبعية واعراضها, وبالانانية واورامها. ولذلك.. فإن كل ما يجيء من مريض الرأي والارادة والجسم.. لا يخيف ولا يشكل تهديدا. الامريكي ـ الصهيوني يرعد في العواصم العربية.. وحين يختفي صوته ويغيب برقه يكون قد تحول الى العمل بالاشعة السينية وما فوق الحمراء فهو يحقق ما يريد ويكتسح ارادات في الوقت الذي يبدو فيه لمستشرقي الساحات العربية انه في سبات. حق العودة وضع على نار حامية.. وهناك اموال لمن يريد ان يقبض بدل العودة وشروط تعجيزية لمن يتمسك بالعودة قبلها وبعدها موافقة (اسرائيل) التي تملك الدولة الفلسطينية العتيدة المقبلة ملكية تامة عامة دائمة!؟ كل هذا يتناهى الي منسابا من شروخ الفضاء وشروخ الضمائر وشروخ الاقنعة البشرية على وجوه ما عدت تعرف.. ولا عاد اصحابها يعرفون او يهمهم ان يعرفوا الوجه الحقيقي لهم.. لأنهم اصبحوا لكثرة ما تزلجوا على المواقف والمصالح والقيم بلا وجوه ولا حدس يفضي الى تبين الوجوه! الحق اقول فيما اعتقد انه الحق, ان عودة القدس الشرقية, قدس الرابع من يونيو 1967 لا تحل المسألة العربية المطروحة على بساط التاريخ منذ مطلع القرن العشرين, على الاقل. وهي مسألة ان تكون الامة.. وان تكون حرة وان تحرر ارضها وارادتها وقرارها, وان تنهض وتستعيد دورها الحضاري. ان عودة القدس الشرقية اذا عادت لن يعيد فلسطين ولن ينهي المشروع الاستعماري العنصري ـ الصهيوني, ولن يحقق عودة الشعب العربي الفلسطيني وسيادته الشاملة على ارضه كاملة. والقدس رمز قضية اضافة الى كونها قضية واحدى الرموز العربية الاسلامية. ولذا فإن القدس ـ أي فلسطين ـ تبقى قضية امة ومركز قضية, واحتلالها يعني استمرار الاستعمار واستمرار مشروعه, وهو مشروع يعطل الارادة العربية وكل صور التقدم واشكاله, كما يعطل العمل القومي ويقاومه. فالقضية اذن هي قضية تحرر من الاستعمار المتمثل الآن باحتلال فلسطين واي اعتراف بكيان استعماري في فلسطين او سواها هو تعطيل لمبدأ التحرر ولمبدأ الحرية معا للأمة كلها.. واذا كان بعض العرب قد ارتبط مصيرهم بالاستعمار وتواشجت احلامهم مع احلامه.. فلم يعد يرى بعضهم نفسه خارج ذلك الاطار المتماهي.. فإن الكثرة الكاثرة من العرب, التي تمثل رأيا ورؤية وعقيدة ترى نفسها حربا على الاستعمار وترى وجودها في الحرية والتحرير ولذلك فإن القبول بأية تسوية تبقي للكيان الصهيوني دولة معترفا بها عربيا هي اقرار من نوع بشع بشرعية الاستعمار والقبول به والتعامل مع النتائج التي تفرضها قوته على الارض... وهذا مبدأ مفتوح له تأثيره وخطره وفعله الفتاك في الامة العربية مستقبلا.. ولذا نرفضه رفضا مطلقا, ونرفض كل خطوة تقود باتجاهه, وكل وضع يشير الى القبول به. ان الامة العربية ليست طاقة معطلة دائمة بعطالة, إلا بمقدار ماتفرض عليها انظمتها ذلك, وبمقدار مايفرض عليها فكر ما تعطيلا للعقل والارادة وروح التحرر والتقدم. ولذلك فإننا حين نتوجه الى الامة واجيالها في مدى التاريخ المستقبلي آخذين بالاعتبار قراءة واعية للتاريخ العربي وتاريخ الالم, ندرك جيدا ان الحيوية آنية, وان المستقبل لنا وان عيشا في ظل التبعية والاستعمار والذل ليس عيشا يليق بالبشر ان يتمسكوا به. ان القوة تملك بامتلاك العلم والتقانة, ولدى الامة كل ما يمكنها من النجاح في هذا المجال ان هي وضعت سياسة وطبقتها.. واكثر ما يصيب الامة من ضرر وفتور واحباط وحتى يأس متأت من عدم الاختيار, وغياب السياسة القومية في هذا المجال, وتفتت المناخ الذي يقيم مؤسسات وعلاقات تمكن من الوصول الى استقطاب العقول والارادات والامكانيات وتوظيفها في هذا المجال. وليس هذا من الامور المستحيلة وانما هو من الخيارات التي تتوصل اليها الامة والدول عندما تقرر ما تريد بحرية ووضوح ومسئولية ولذلك فإننا نحتاج الى الوضوح والفرز الفعلي للمواقف والاختيارات والتوجهات.. لكي نستطيع تحديد الاختيار السليم ورسم السياسة التي تؤدي الى تحقيقه ووضع الامكانيات والطاقات في خدمة تلك السياسة. انني من المؤمنين بمستقبل امتنا وبأن المستقبل لنا في صراعنا من العدو الصهيوني. وكما حررنا ارضنا وانفسنا من الاستعمار الاوروبي في القرن العشرين سوف نحرر ارضنا وانفسنا من الاستعمار الصهيوني ـ الامريكي ومن اولئك الذين جعلونا تبعا لهم لانهم ربطوا مصيرهم بمصيره. المستقبل لنا.. والمستقبل تصنعه اجيالنا ولكن علينا نحن ان نبدأ الخطو السليم على طريق سليمة تؤدي بنا الى ذلك فهل تكون القدس مفتاح اختياراتنا الاستراتيجية للأمة العربية كما هي مفتاح الحرب والسلام في الصراع العربي ـ الصهيوني؟ انني ادعو الى موقف يكون سيد المواقف.. موقف يضع الشعب العربي على طريق التمسك بالحقوق والثوابت المبدئية على طريق العلم والعمل به.. على طريق رفض الكيان الصهيوني ورفض التطبيع معه.. طريق المقاومة المحررة التي تصنع التحرير وتعيد الارض والكرامة والمقدسات؟! انني ادعو الى ذلك الاختيار بقوة وثبات وامل وارادة قوية. رئيس اتحاد الادباء والكتاب العرب