ترتبط لغتنا بنا ارتباطا وثيقا, وتتحول إلى مفتاح يفّك ألغاز الحياة, ويكشف حقيقة الناطق بها, ومن أي فئة أتى, وتحدد لنا الثقافة السائدة في مرحلة دون أخرى, وفي طبقة اجتماعية دون باقي طبقات المجتمع, لدرجة تجعلها مثل (البصمة) التي تكشف صاحبها. فمثلا, عندما تقابل شخصا يخلط في كلامه المفردات العربية بأخرى انجليزية, ويلجأ دون داع لاقحام مفردات مثل (أوكي) تعلم انه من محدثي النعمة, أو من الفئات التي تسعى للتقليد بهدف كسب الوجاهة الاجتماعية. وأحيانا, تتغلب مهنة المرء وتطوع لسانه, للغاتها, أو تصطنع لغة خاصة (هجينة) لا تمت بصلة للعامية أو الفصحى, كتلك المفردات التي يستخدمها العاملون في استديوهات الفن, وهي كثيرة وعربية ومنها (الأوبيج) يعني (الأجر) أو (النحتاية) يعني اقتناص فرصة في عمل بصرف النظر عما إذا كان (هابطا) أم راقيا, فالمهم هو العائد المالي, والانتشار. على أن أطرف ما تظهره اللغة لنا من قدراتها في التعبير عن العصر, هي الأسماء التي تطلقها على الأبناء, أو الشوارع أو الميادين أو المحال التجارية. فمثلا عندما تشاهد أحد المحال في مدينة القاهرة يحمل اسم (القومية العربية) وفي الحقيقة ستجده على عدد من الجراجات والمحال بوسط القاهرة, تعرف انه أقيم في فترة الخمسينيات أو الستينيات. أما عندما تجد محلا آخر, يحمل اسم (السلام شوبنج سنتر) تعرف على وجه السرعة انه ينتمي لحقبة الانفتاح ومرحلة السلام مع اسرائيل في نهاية السبعينيات. حتى أسماء الأشخاص تعبر عن أوضاعهم الاجتماعية والثقافية, فلن تجد - إلا نادرا - أحدا في قرية أو نجع بأعماق الصعيد يسمي ابنته (يارا) لان لديه فائضا من الأسماء المرتبطة بواقعه مثل: ست الدار, أو من تاريخنا: مثل: أم كلثوم, فاطمة وغيرها. ولعل أخطر ما نواجهه الآن هو, تعرض لغتنا بجمالها العربي الأخاذ وفصاحتها السلسة إلى سلسلة من الهجمات تفقدها حيويتها وارتباطها القومي بنا, وتغرقها بسيل من الكلمات الأجنبية ربما لعذر قهري, إذا تعلق الأمر بمخترع جديد, لكن في الغالب يسبب العبثية والتمرد اللذين يسيطران على قطاع كبير من الجيل الجديد, الذي ينحت ألفاظا لا معنى محددا لها, مثل (الروشنة) التي شاعت في مصر مؤخرا. سيد زهران