الوحدة والخوف منها وكثرة شعوره بالفشل والاحباط في كل شيء, كلها عوامل تقوده الى الملل والقلق.. حالات تنتابه بلا مقدمات وبصعوبة قاتلة تنتهي.. ينكمش قلبه, يتجمد عقله, وتضيق به الدنيا ليصبح بلا عنوان او زمان, تائها في صحراء قاحلة موحشة.. يستمر حزنه وقلقه ساعات طوال, ولشد ما كان يؤلمه قلبه الجريح.. تتباطأ دقاته كأن يدا تضغط عليه.. يشحذ عزيمته.. يزود نفسه بالطاقة الضرورية.. لكن القلق يستمر راسبا في الاعماق.. واليد تواصل ضغطها المميت, ولا يأتي الفرج الا بعد ان يكون قد خطا خطوات كبيرة نحو الانهيار والاستسلام. حاول الكثيرون اخراجه من جو الكآبة المحيط به, واشعاره بالطمأنينة والألفة.. لكنه يجلس دائما في مكتبه ولا يشعر بأحد.. يجلس حيث القلق.. الكآبة.. العرق.. ويحاول الغوص في الاوراق, يركز عينيه في السطور, ويبذل جهودا لترويض فكره. لكن الخيط انفلت غصبا عنه, تململ.. نهض.. دار في الغرفة الباردة.. الهادئة.. رجع الى كرسيه, نقر على المكتب نقرا مضطربا, مشوشا, كانت اصابعه تعلن افلاسه, تنهد, زفر.. سكنه قلق مفزع.. وفي تلقائية امتدت يده الى جهاز الهاتف.. رفع السماعة, ألصقها بأذنه في كآبة تنم عن نفس تفيض سأما. سمع اصواتا مختلطة تنبعث من السماعة.. تأفف.. حال الهاتف كحالنا.. انه عطلان, والخطوط مشتبكة ليبدأ العبث, كانت الأصوات واضحة, والتقطت اذنه صوتا انثويا كانت صاحبته تحاور اخرى.. كانت الكلمات تستقر في صدره, وعيناه ترسلان بريقا حادا.. ارسلت احداهما شهقات خفيفة ثم بكت.. مسكينة كانت تفرغ ما في صدرها, كأنها تحطم صنما. كم كان يشعر بالعار عندما يفكر في فتح صدره, انه قبر همومه, اذا فتحه تعرى.. هل هو صمود مزيف؟ ام رواسب تكبله؟ قرأ عن اطباء النفس, وجلساتهم الطويلة وخوارقهم ايضا.. لكنه لم يفكر في الذهاب اليهم, فهو يمقت تعرية نفسه.. يريدها مصانة.. انه المسئول عن اسرارها.. لقد تعلم ذلك جيدا. لا يزال الحوار يصله, وفي هدوء قالت احداهما للأخرى لماذا شكوت اليّ ثقل الايام؟ اجابتها.. النفس وعاء اذا افاض افرغناه والا الانهيار ثم سكتتا.. غرقتا في صمت ثقيل, قال, لأفرغ انا ايضا وعائي..! محمد خليفة