أبدأ اليوم هذه الاستراحة متباهيا باسمي بعد أن اعتقدت طويلا انه لا يدل إلا على زمن ولى ومضى, فالظاعن هو ذاك الرجل الذي يمتطي ظهر ناقته مرتحلا, والظعينة هي المرأة التي تستخدم الهودج الذي كانت العرب تضعه على ظهر الجمل ليقيها وعثاء الطريق, عن شمسه الحارقة وغباره الكثيرة. وحتى لا أقف عند محطة الماضي كثيرا, خاصة واننا أصبحنا اليوم نتعامل بلغة العصر, فننام ونصحو على ما يثير مخيلتنا من اختراعات وابتكارات تجعلنا أسرى للزمان الحاضر, فما تتلاشى دهشة إلا وتتوالد أخرى جديدة تجعلك ضمن دائرة الدنيالوجيا, حتى لا أقف في ماضي الاسم التقط حاضره فأستحضره من جديد وأشكله وأعيد صياغته بلغة العصر, حيث يحلو لأغلبنا أن يطلق على الهاتف المحمول اسم الهاتف النقال, وهو ما يعني الهاتف المسافر أو المرتحل من مكان لآخر فأدخل هكذا دون مقدمات في دنيا التكنولوجيا ليصبح الهاتف الظاعن من مستلزمات العصر المتواصل بابداعاته وفنونه وابتكاراته. ولن يقف هذا الجهاز الصغير المثير الذي يظعن دون توقف في جميع الاتجاهات, شرقا وغربا, شمالا وجنوبا لن يقف عند حدود بعينها, بل سيحفر وجهه في صفحات التاريخ وسيصرخ بأعلى صوته للوسائل الأخرى مثبتا كينونته (بالأمس كانوا هنا واليوم قد رحلوا) ! الهاتف النقال أصبح اليوم يقود مسيرة التفوق العلمي بعد أن تحول إلى مكتب متنقل بفضل خدمات الانترنت, إذ يتوقع المختصون أن يسيطر الهاتف النقال على الوسائل الأخرى التي ستتفاعل بواسطته, فيرسم هؤلاء آفاقا مثيرة لما ستحدثه تلك الوسيلة على مختلف الوجوه, إذ بامكانهم تقديم خدمات شبيهة بالويب. ويرى هؤلاء أن المساحة ربما تضيق أمام وسائل الاعلام التقليدية الأخرى التي ربما تتراجع في ظل الزحف التكنولوجي على الهاتف النقال الذي سيقوم في القريب العاجل بتقديم وظائف أخرى اضافة لمهمته الأصلية, إذ سيتحول إلى صحيفة تقدم الأخبار الجديدة وتلفزيون مرئي, وشاشة سينمائية ومحطة تبث وتستقبل الأغاني. وبين تلك التكنولوجيا المستقبلية والأخرى المتاحة يقف الصحفيون مكتوفي الأيدي, ينظرون بأعينهم ما ستسفر عنه المعركة المقبلة بعد أن سطت الوسائل الأخرى على خصوصية الصحيفة ومكانتها وقدسيتها. والسؤال الذي بدأ يطرحه المتخصصون في صناعة الاعلام يقول: إلى أي مدى ستؤثر خدمة الهاتف النقال المربوطة بالانترنت على الوسائل التقليدية كالصحيفة والتلفزيون والاذاعة؟ يبدو ان الأيام المقبلة ستحمل أخبارا غير سارة للعاملين في الصناعة الصحفية كما يعتقد الكثيرون, إلا ان ذلك لا يخيف المؤسسات الصحفية التي ظلت صامدة أمام رياح ما تطرحه التكنولوجيا الحديثة. فقد أكدت التجارب السابقة على ان المتلقي الذي اعتاد على ملامسة الصحيفة وقراءتها لا يستطيع التخلي عن عادته اليومية, فالصحيفة مثلها مثل فنجان القهوة أو الشاي الذي يعتاد عليه الإنسان صباحا, فهو لا يكاد يضعها جانبا حتى يشتاق إليها ثانية.. إنها لغة إنسانية حميمة خلقتها الأيام, ما ان تنتهي حتى تبدأ من جديد! ولكن ذلك الأمر لا يجنب العاملين في هذه الصناعة من المخاوف والتساؤلات المستقبلية بعد التسارع المثير والاقبال على خدمات الانترنت, إذ تشير الأرقام الى ان الانترنت المتنقلة تتقدم فعلا على الرغم من غموض معالمها, وتتوقع المؤسسات البحثية انه مع حلول العام 2002 سيكون هناك أكثر من مليار هاتف جوال في العالم, وان يحصل نصف المشتركين في خدمات الهواتف النقالة على بياناتهم دون عناء. ويقود تطور تلك الوسائل التكنولوجية إلى أسئلة أخرى بالنسبة للعاملين في المحيط الصحفي, فلن يظل الصحفي مقيدا بسلاسل الماضي بل سيجد لنفسه ولوسيلته مكانا في ظل هذا التزاحم التكنولوجي, فالعدة الصحفية القديمة ستتلاشى من تلقاء نفسها وسيصبح الصحفي عبارة عن وكالة متنقلة يبث ويرسل الصور والتقارير والأخبار والتحقيقات أولا بأول, وبالتالي ستتلاشى حلقات وأدوار من السلسلة التقليدية في عالم الصحافة, إذ سيختفي دور المصور بعد أن يزود الصحفي بعدة تصوير عالية التقنية ترسل الصور بضغطة زر, كما سينتهي دور الصفيف (منضد الحروف) حيث ان الأجهزة المستقبلية لها مقدرة ترجمة الكلمات المسموعة وتحويلها إلى حروف, كذلك سيتلاشى دور المصحح حيث سيتم تطوير برامج بامكانها القيام بهذا الدور المهم وسيتمكن الصحفي من خلال جهاز كمبيوتر صغير محمول أن يخرج مادته وأن يراها ويتفاعل معها. كما سيحمل المستقبل كما يرى المختصون بشرى غير سارة لعمال المطابع والأقسام الفنية التابعة لها, حيث ستختزل التكنولوجيا الحديثة مراحل عديدة من الأعمال المتاحة الآن ما يعني خلق بطالة في صفوف عمال المطابع. ولا ندري أين ستأخذنا التقنيات الحديثة بعد أن أكدت اليابان على انها طورت ورق طباعة جديد بروائح الفواكه المختلفة, إذ بامكان الصحيفة أن تصدر يوم السبت برائحة الكرز ويوم الأحد برائحة المانجو ويوم الاثنين برائحة البرتقال ويوم الثلاثاء برائحة الكيوي ويوم الأربعاء برائحة الأناناس ويوم الخميس برائحة الشمام ويوم الجمعة برائحة التفاح وهكذا! للقارئ العزيز نقول: انتظرنا فنحن رهن ما تفرزه التكنولوجيا من فنون!