رغم الظروف المعاكسة, حقق العرب في الوقت الحاضر قدرا من التقدم الذي كانوا ولا يزالون ينشدونه في مجال التنمية الاقتصادية والثقافية والسياسية والفكرية والعلمية. ولا يزال الكثير الذي يمكنهم ان يحققوه في هذا المجال. ويطرح مفكرون عرب وغير عرب سؤالا جوهريا, وهو: ما السبب في عدم تحقيق العرب في الوقت الحاضر لقدر اكبر من التقدم في هذا المجال, وفي عدم تحقيقهم للاهداف القومية والسياسية والاستراتيجية التي كانوا ولا يزالون يتوقون الى تحقيقها؟ توجد عوامل كثيرة وقوية مسئولة عن ذلك. ومن هذه العوامل غلبة النظام الذكوري الابوي (الباطرياركي) الذي يتسم بالتسلط والذي يفقد الشخص فرديته ويعيق نمو استقلاله الفكري, وبنية المجتمع التي تتسم بالتفاوت السياسي والاقتصادي الكبير, وتفشي روح الحمولة التي تضعف مفاهيم الدولة والشعب والمجتمع المدني, وغلبة جوانب من الفكر القديم الذي لا يناسب ولا يلبي قسما كبيرا من الحاجات الجديدة الناشئة عن المستجدات في شتى مجالات الحياة في الوقت الحاضر, والاستغلال الاجنبي والاستعمار الغربي اللذان ينالان من السيادة العربية ويعيقان التنمية الاقتصادية والسياسية والثقافية, وجهل كثيرين بحقيقة ان الفكر عبارة عن تفسيرات او قراءات بشرية للواقع المحيط بالبشر. وتقوم علاقة بين النظام الابوي وممارسة الانسان لارادته. ولهذه الارادة اثر في حياة المجتمعات وتطورها فبالارادة يمكن للبشر ان يغيروا حياتهم. وتختلف الشعوب بعضها عن بعض في مدى تأثر حياتهم بإرادة الرجال والنساء فيها, وكلما زاد اثر ارادة البشر في مجتمع من المجتمعات قل اثر المصادفة في حياتها. والشعوب التي لارادة افرادها دور اكبر في تحريك وتوجيه حياتها, اقوى من الشعوب التي تحدث الاحداث في حياتها بالمصادفة. وللاسهام في تحقيق النهضة ينبغي تعزيز مركز المرأة ولتعزيز مركزها ولتضييق الفجوة القائمة بين مركز الرجال ومركز النساء ولايجاد قدر اكبر من الانسجام داخل المجتمع, يجب القضاء على رؤية الامور والاشياء بعين واحدة, عين الرجل. فقراءة الاشياء والامور بعين الرجل ليست قراءتها بعين المرأة. والمجتمع لا يمتلكه الرجال فحسب. ورؤية الاشياء والامور بعين واحدة قد تعادل الانغلاق على الذات وعدم رؤية الآخر. والأمر الذي من شأنه ان يسهم اسهاما كبيرا في تضييق الفجوة (ان لم يكن ردمها) بين شتى شرائح المجتمع, هو كشف النقاب عن العلاقات العضوية القائمة بين العلوم الطبيعية والانسانية والاجتماعية والنفسية والفلسفية. وتقوم علاقة ايجابية بين النظام السياسي الديمقراطي وممارسة الارادة الانسانية, وبالتالي قوة الشعوب. فالنظام السياسي الديمقراطي يتيح تبادل الافكار في شتى المجالات ويعطي الفرصة للمشاركين في هذا النظام للفت الانتباه الى امكانات واحتمالات التطورات والى جوانبها السلبية والايجابية وفرصة الاعراب عن الترحيب بها او التحذير منها, مما يتيح فرصة اكبر لان يمارس البشر ارادتهم ولان يقل حيز الشئون التي تقررها المصادفة. كل هذه العوامل وغيرها اسهمت اسهاما كبيرا في تلاشي فردية الشخص والخوف من قول الحقيقة, وفقدان قدر كبير من استقلال الفكر وكسل ملكة الابداع الفكري في شتى المجالات والخوف من القراءة الموضوعية للواقع المعاش, وتفشي سلوك القطيع والتأثير المغالى فيه للفظ وتمييع المعنى وضبابية الفكر والتجويز غير النسبي. وتكثر في المجتمع العربي المسلمات التي لم يتحقق من صحتها. واحيانا تتخذ الافتراضات صورة المسلمات. وفي جو المواربة والخوف من نتائج الصراحة السائد يكون الافتراض وسيلة من السهل اللجوء اليها لتفادي الصراحة. وبسبب غلبة القوة في البنية الاجتماعية والاقتصادية والثقافية وسيطرة جوانب معينة من الفكر, لا يجرؤ الخائف على تمحيص المسلمات والافتراضات وعلى محاولة دراستها وتفكيكها والتحقق من صحتها او من خطئها. ويقل الخوض الموضوعي في مسألة من المسائل لان الناس يخافون او يتخوفون من ان يساء فهمهم ولا توجد في علاقات شرائح من المجتمع العربي آلية المحاورة التي تتوخى الاقتراب من معرفة الحقيقة او من معرفة هوية الامر المطروح او اذا وجدت في بعض السياقات, قلة اهمية الدور الذي تؤديه. وبسبب عدم وجود آلية الحوار او بسبب ضعف دورها يصعب توصيل المضامين التي يقتضي السياق الاجتماعي توصيلها, وبالتالي تنشأ جيوب فكرية يقل بين الواحد والآخر منها الاتصال الفكري. وتقوم هذه الجيوب التي هي نفسها ليست في حالة مثلى من ناحية الاتصال بين اجزاء كل منها, على اساس الشبه الفكري او العقائدي او الشبه في الموقف او في المصلحة او على اساس انتماء النسب. ولذلك يقوم قدر كبير من العلاقات الاجتماعية على الظن والافتراضات. وأحد الاسباب الرئيسية في ان الشعب العربي لم يحقق قدرا اكبر من ذلك التقدم ولم يفلح في تحقيق تلك الاهداف, هو ان التأثيرات الضاغطة القوية الاجنبية وعلى وجه الخصوص الغربية, العاملة في اتجاه اعاقة تحقيق تلك الاهداف, حصلت في الوقت الذي كان الشعب العربي فيه يمر بفترة انتقال سياسي واقتصادي وثقافي واجتماعي. وكانت فترة الانتقال السياسي هي مرحلة الانسلاخ عن الدولة العثمانية ومرحلة الكفاح من اجل نيل الاستقلال السياسي عن الدول الاستعمارية الاوروبية. ومما له صلة بالتأثيرات الضاغطة الغربية فرض نظم قيمية واجتماعية واقتصادية على الشعوب العربية دون مراعاة للصبغة الاسلامية السائدة للمجتمع العربي, وأدى هذا الفرض الى المواجهة بين القيم الاسلامية والقيم الوافدة المفروضة مما اسهم اسهاما كبيرا في زيادة تجزئة المجتمع وتشتيت قواه, وفي ايجاد حيرة لدى كثير من الناس فيما يتعلق باختيار التوجه القيمي العقائدي للمجتمع, وفي تقوية العوامل العاملة باتجاه التجزئة واضعاف العوامل العاملة باتجاه التوحيد. وقد اسهمت الدول الاوروبية الاستعمارية اسهاما كبيرا في فرض هذه النظم, وأسهم في ذلك اسهاما كبيرا ايضا الذين كانوا ولا يزالون يمارسون النفوذ السياسي. لقد فعلوا ذلك لأسباب, منها خدمة اغراض خاصة او الجهل بالنتائج الضارة المترتبة على فرض تلك النظم, او لحمل الاوساط الاجنبية لاصحاب النفوذ على تبنيها وفرضها. وفي بعض البلدان سارع اصحاب النفوذ السياسي الى اشاعة تلك النظم وفرضها وتعزيزها, مما اسهم في زيادة تجزئة رؤية الشعب وزيادة تضارب الرؤى والاتجاهات الفكرية المتعلقة بالمصير السياسي واللون العقائدي للاراضي العربية. ومما يسهم اسهاما كبيرا ايضا في التباعد الفكري والعقائدي بين الناس على المستوى القطري او مستوى الشعب العربي, التأثير الكبير للصورة التي اوجدها ولا يزال يوجدها اعداء العرب والمسلمين, وهي الصورة التي مؤداها ان كل قيم التراث الاسلامي ذات آثار سيئة وانها تتنافى مع مفاهيم التقدم. والحقيقة هي ان هذه الصورة غير صحيحة, ففي التراث العربي الاسلامي قيم انسانية رفيعة عالمية تبعث موضوعيا على الاعتزاز وتستحق الاشادة والتشجيع. ولا يصح ولا يجوز ولا يعقل بأي معيار من المعايير رفض كل قيم التراث الاسلامي. فمفاهيم من قبيل الحرية والانسانية والكرامة الانسانية والتمتع بالحياة والمساواة بين البشر, واردة في التراث الاسلامي منذ اربعة عشر قرنا. والدعوة الى رفض التراث دعوة معادية للعرب وللمسلمين, وهي دعوة خبيثة, دعوة تبطن الشر والعداء لهم. لا يصح ولا يجوز ولا يعقل رفض تراث ضم الفكر العربي الاسلامي مدة تنيف على سبعة قرون, يختزن في مئات آلاف المخطوطات العربية التي تتناول مختلف العلوم الطبيعية والاجتماعية والانسانية والفلسفية. هل بلغت بنا السذاجة او الجهالة الى حد ان ننضم الى الذين يدعون الى اهمال هذا التراث العلمي والفكري والفلسفي؟ والى حد الانجرار وراء الخصوم الغربيين للعروبة والاسلام؟ أستاذ الدراسات الشرق أوسطية ـ الولايات المتحدة