حرب الجنوب وتداعياتها السياسية هي القاسم المشترك في الازمة السودانية المزمنة بين شقيها الاقتصادي والسياسي, ومن هذا المنظور فإن الخطر السياسي الذي تمثله قضية الجنوب على سودان الغد لا يقل شأنا عن الخطر الاقتصادي. لمدى اربعين يوما في الخرطوم كنت اتأمل التقلبات والتطورات اليومية للأزمة السودانية فاكتشفت عند نهاية المطاف ان كل روافد الازمة وتفاصيلها تنتهي الى قضية الجنوب وحركة قرنق. المسألة المحورية التي تدور حولها الاحداث اليومية للمشهد السياسي هي كيفية تحقيق وفاق وطني بين القوى السياسية الرئيسية ينتهي الى اتفاق اجماعي لتحديد كيف يحكم السودان؟ ظاهريا تبدو المسألة كمجادلة اكاديمية عقيمة بين النظام و(التجمع) المعارض بشقيه الخارجي والداخلي. لكن تمعن في تفاصيل هذه الصورة المتحركة جيدا لتكتشف ان العائق الأعظم لمسار الوفاق هو حركة قرنق. كيف؟ بعد خروج حزب الامة, القوة السياسية الحزبية الأكبر في المسرح السياسي السوداني, فقد التجمع الصفة الشمولية التي يوحي بها اسمه.. ولم تعد الفصائل المنضوية تحت رايته سوى عدد من العربات تجرها قاطرة.. هي الحركة الشعبية لتحرير السودان, فالحركة تملي رؤيتها وموقفها على بقية الفصائل, بما في ذلك (الحزب الاتحادي الديمقراطي) لتعلن الرؤية والموقف باسم (التجمع) .. او باسم المعارضة. لهذا صار مسار عملية الوفاق مرتهنا تماما الى جون قرنق. ومن هنا يتعثر هذا المسار. فنقطة الانطلاق في عملية الوفاق هي مشروع للوساطة بين الفرقاء السودانيين تتبناه كل من مصر وليبيا بصورة مشتركة. ومنذ ان خرج هذا المشروع الى حيز الوجود ووجه على الفور بمعارضة مبدئية من حركة قرنق. ولمدى الاربعة عشر شهرا التالية وحتى اليوم ظل قرنق يتفوق على نفسه في ابتكار شتى اساليب وحيل التعويق بهدف تعطيل حركة المشروع تمهيداً لوأده. وهذا التعويق المتعمد هو أحد العوامل التي دفعت بحزب الامة ـ المتحمس للمبادرة المصرية الليبية ـ الى الخروج على (التجمع) . ولكن ببقاء (الحزب الاتحادي الديمقراطي) داخل حظيرة التجمع ومسايرة زعيمه محمد عثمان الميرغني لمسلك قرنق ودعمه اصيبت المبادرة المشتركة بشلل شبه كامل. لقد اعلن مشروع المبادرة في يوليو من العام الماضي بعد ان حظي بموافقة مبدئية من كافة اقطاب الصراع السوداني على صعيدي الحكومة والمعارضة. وكان المأمول ان يخطو المشروع اولى خطواته على طريق التحرك العملي خلال شهر واحد بتكوين لجنة تحضيرية تضم ممثلين عن الحكومة وعن فصائل المعارضة كلها تنحصر مهمتها في الاتفاق على جدول اعمال محدد للقضايا المصيرية.. فتكون الخطوة التالية عقد (مؤتمر للحوار الوطني) . ومضى الان اكثر من عام دون ان يتم تكوين اللجنة التحضيرية. لماذا؟ لانه بينما سمت الحكومة ممثليها في اللجنة, لم يستطع (التجمع) حتى هذه اللحظة ان يمد الوسيطين العربيين باسماء ممثليه. لماذا؟ لان قرنق استطاع ان يدخل فصائل (التجمع) (باستثناء حزب الامة) في جدل قوامه التشكك في المبادرة المصرية الليبية.. وما اذا كانت مبادرة (ايقاد) أفضل منها. وعندما بادرت الحكومة السودانية مؤخرا الى حسم هذا الجدل العقيم باقتراح لاستبدال (اللجنة التحضيرية) بلقاء تمهيدي في الخرطوم نهض قرنق ليقول ان الاقتراح يتعارض مع المبادرة المصرية الليبية!.