لم تعد قبعة (أشرف السعد) أو عمامته السحرية مكانا تقفز منه الأرانب السمينة والعصافير الملونة والأوهام الكاذبة لأننا خلال عشر سنوات على نهاية خرافة (شركات توظيف الأموال) كبرنا ألف عام وسكنا قصورا من رمال وكرتون وحبات مسابح سرعان ما غرقت عند أول موجة ماء أو طارت عند أول نفخة هواء فالأشياء الهشة سريعة العطب لا عمر لها. في لندن نجحت الصحفية والتلفزيونية اللامعة (هالة سرحان) في القاء أوراقها ببراعة على طاولة (أشرف السعد) أول الهاربين وأشهرهم سجلت بالصوت والصورة اعترافات مذهلة قالها بنفسه قبل أن يتمكن هذه المرة من وضع طاقية الاخفاء على رأسه أو قبل أن يتبخر كالزئبق وهي اعترافات لا يجب أن تمر دون أن نتوقف عندها ونفحصها ونستوعبها لأنها تروي سيرة حياة فساد من نوع خاص ملتحف بالدين ولأنها تؤكد أننا لا نقبل الحقيقة إلا بعد فوات الآوان وأن من يسعى اليها في وقتها يرجم بالحجارة ويقام عليه حد الكفر ويخرج من رحمة الناس الذين سيبكون دما بدلا من الدموع على ما سيجري لهم فيما بعد ولأنه ثبت أن عقولنا أحيانا أقرب ما تكون للعقول الحديدية فهي لا تكبر ولا تتعلم و تكرر الخطأ نفسه مئة مرة وتلدغ من الجحر نفسه ألف مرة. بنفسه قال (أشرف السعد): أنه كان شابا فقيرا لم يحصل على شهادة جامعية تخرج في معهد متوسط لم يؤهله لشئ وأن كل ما يعرفه عن الاقتصاد الذي كان واحدا من حيتانه وأساطينه تلقاه من جدته التي كانت تربي الدواجن وتجمع البيض وتبيعه وقد كان عاطلا مثل ملايين غيره وفكر في أن يبحث عن الرزق في الغربة مثل ملايين غيره فسافر الى فرنسا ليلحق بأحد أقربائه هناك وفي باريس كان العمل شاقا مؤلما كان عليه أن يستيقظ ومدينة الحياة نائمة وأن يمشي في البرد وتحت المطر حتى سوق الخضار القريب من أشهر مناطق البغاء الرسمية في حي (سانت دينيس) فيحمل على كتفه وظهره ذبائح العجول و(الخنازير) وربما يجر عربات اليد التي تحمل صناديق الطماطم والأناناس وعندما يعود الى حجرته منهكا خائر القوى كان لايجد أحيانا مكانا لينام فيه فالحجرة الضيقة الخانقة يسكنها ثمانية أشخاص والنوم بالوردية والاستيقاظ يعني الخروج للشارع فورا لينام غيره إن باريس التي تصور أنها ستفتح ذراعيها له بمجرد أن يهبط مطار (أورلي) لم تعطه سوى فرصة أن يلحس عرق قدميها وأن يكون واحدا من ملايين (العبيد) العرب القادمين اليها من شمال افريقيا ولم يكن أمامه ليحقق طموحه سوى أن يتاجر في حبوب الهلوسة أو يعمل بلطجيا في (كباريه) أو أن يعود الى وطنه واختار العودة جمع ثمن تذكرة الطائرة وغادر باريس الى القاهرة عاد اليه (يا مولاي كما خلقتني). بنفسه قال (أشرف السعد): أنه كان يحلم بنجومية الضوء كان يحلم أن يكون ممثلا ونجما ومن يراه على شاشة التلفزيون وهو يتكلم يدرك أنه موهوب بالفعل في سرقة الكاميرا وشد الانتباه اليه وقد تقدم في بداية حياته الى معهد السينما لكنه لم يكمل مشواره وإن استفاد من موهبته فيما بعد في تقمص دور المتدين الورع الذي يطلق لحيته ويخفض صوته ولا يصافح النساء وقد حقق له هذا الدور الوحيد الذي لعبه في الحياة لا على خشبة المسرح ما لم يحققه كل نجوم التمثيل من عزيزة أمير الى يسرا ومن على الكسار الى عادل امام فعندما أوشكت مسرحية (توظيف الأموال) على الانتهاء كان يضع تحت يده ما يزيد على المليارين من العملات الصعبة والسهلة. بنفسه قال (أشرف السعد): انه كان لا يتصور نفسه متدينا بل أنه كان يعتبر التدين (نوعا من التخلف) على حد قوله بل أنه أكثر من ذلك كان يتسكع في الشوارع وأمام المقاهي ويشرب (البيرة) وينظر الى الدنيا من أسفل الى أسفل وقد كان يهاجم شقيقاته لأنهن كن يدعونه الى الهداية ونبذ الحياة الضائعة التي يعيشها ولم يكن يستريح لذلك وإن بقى في حاجة اليهن ليأكل ويشرب وينام وفي يوم دفع للصلاة في أحد مساجد جماعة (التبليغ والدعوة) ولم يتردد في السخرية من أنصار هذه الجماعة الذين كانوا ينخرطون في البكاء كلما سمعوا كلمات خطيبها وزعيمها الروحي خاصة وأنه على حد قوله لم يكن يفهم ما يسمعه وكان هذا الرجل الذي يفجر ينابيع الدمع في عيون أتباعه قيادة بارزة في الجهاز المركزي للمحاسبات (الحكومي) كما أن مسجده كان في ظهر بيت وزير الداخلية الأسبق النبوي اسماعيل وفي حماه ففي تلك الأيام من حكم الرئيس أنور السادات كان الدين سلاحا للتخلص من خصوم النظام اليساريين والناصريين والشيوعيين. بنفسه قال (أشرف السعد): أنه ظل ضائعا يائسا هائما على وجهه لا يؤمن بفكرة ولا يحترم مبدأ ويعيش حياته بالطول والعرض ولا يعرف كيف يتعامل مع ما حوله أو يتجانس معه وفي لحظة وصل فيها العجز الى مداه وجد نفسه في المسجد الذي سخر فيه من زعيمه الروحي ولم يكد يسمعه هذه المرة حتى وجد الدمع ينساب من عينيه وبقى حتى انصرف كل من في المسجد ونجح في الاقتراب من الرجل والتودد اليه ونجح في أن (يسليه ويضحكه) على حد قوله إن مواهب الممثل المدفونة تحت جلده وجدت طريقها بصورة كوميدية وراء منبر (التبيلغ والدعوة) ثم انتهت بالفجيعة على مسرح (توظيف الأموال) فقد بكى ملايين الناس وهم يرون الستار ينسدل والبطل مساق الى السجن ومعه أحلامهم وأموالهم وفي مقابل التسلية وخفة الظل قدم له الزعيم الروحي فرصة عمل عند أحد أصدقائه الأثرياء لكن طموح الشاب القروي الواثق في نفسه والقادم من (السنبلاوين) لم يكن ليرضى أن يكون موظفا بأربعين جنيها في الشهر كما أن ثمن الوظيفة غالي أن يظل يؤدي دور الشاب الورع ودور المهرج معا أن يكون في خدمة الزعيم الروحي للجماعة ليل نهار أن يظل باقيا في الكواليس مثله مثل ملايين الكومبارس الذين نصطدم بهم كل يوم ولا نعيرهم انتباها. بنفسه قال (أشرف السعد): انه حتى هذه اللحظة لم يكن قد قرأ المصحف ولم يكن قد قرأ كتابا واحدا من كتب التفسير لم يكن يعرف عن الدين سوى ما يعرفه العامة من أفكار شائعة وأحيانا خاطئة لكنه بمجرد أن اقترب من زعيمه الروحي حتى تصور نفسه المؤمن الوحيد الذي يعرف الطريق الصحيح الى الله وجد نفسه فجأة يحتكر الحقيقة ويصادرها لنفسه ويحرم الآخرين منها لكنه سرعان ما أدرك أن الطريق الذي اختاره سيؤدي به الى حياة الزهد والتقشف التي لا يريدها ولم يتردد في أن يلعب على الوجه الآخر وكانت اللعبة مثيرة ومغرية ومجدية ومثمرة. بنفسه قال أشرف السعد: أنه بدأ مشوار المليون جنيه الأولى بغسيل السيارات في إحدى ساحات عرضها كان يتقاضى 10 جنيهات عن كل سيارة يبيعها وكان بارعا في تحقيق مكاسب سريعة من بيع السيارات القديمة ووضع القرش على القرش والجنيه على الجنيه وراح ينتظر الملايين لكن الملايين لا تولد ولا تتكاثر بهذه الطريقة لابد من خشبة طافية تحمله مستريحا الى عالم الأثرياء دون أن يبلل قدمه في ماء المعاناة ودون أن يبلل عينيه بمياه الحزن ووجد مصباحه السحري في تجارة (العملة) كانت السياسة المالية قد اخترعت ما يسمى بالاستيراد بدون تحويل عملة وكانت ترجمة هذه السياسة هي أن تغلق أبواب البنوك في وجوه المستوردين ووكلاء الشركات الأجنبية وتفتح أبواب السوق السوداء أمامهم وكان قد سبقه الى تجارة العملة فتحي وأحمد الريان اللذان بدأها في المساجد ونقلاها الى البنوك فيما بعد وهكذا أصيب الدولار بالجنون والتهور وراح الجنيه ينكمش ويصاب بالأنيميا ووجد الشاب الريفي الطموح أن الفرصة قد جاءت اليه على طبق من فضة كل ما كان عليه أن يفعله هو أن يغمض عينيه ويقرأ الفاتحة ويمسح وجهه بعدها ثم يمد يده ويقوم بتغيير العملات لكنه قبل ذلك تعلم أصول الحرفة من أحد أصدقائه كان يقف عند مطعم شهير في حي (الدقي) طلب منه هذا (الخبير) أن يدفع له ألف جنيه لتشغيلها في السوق على أن يدفع له ربحا صافيا خاليا من الضرائب 90 جنيها شهريا أي أن ما يتقاضاه من البنك في سنة يتقاضاها من تجارة العملة في شهر وراح (أشرف السعد) يجمع الألف جنيه من ذهب شقيقاته وبقايا مدخراته المتواضعة في دفتر توفير ودفع الألف جنيه لصديقه لكنه لم يكتف بانتظار العائد الشهري وإنما راح يلازمه كظله ليعرف منه سر الصنعة ليعرف منه كيفية تنفيذ العمليات السرية بسرعة وخفة ورشاقة وقبل أن تنقض الشرطة عليه. بنفسه قال (أشرف السعد): أنه وجد تجارة العملة مثل مغارة (علي بابا) ذهب وياقوت ومرجان بلا حساب خاصة عندما توحي للناس بأن السماء لا تعارضها بل وتدعمها بالبركة وتنميها بالتقوى وتغيرت حياته تماما أصبحت شهية كالعسل صافية كالماس مريحة كوسادة ريش النعام لم يعد يمسح السيارات مقابل عشرة جنيهات لم يعد يمشي على قدميه بحثا عن لقمة عيش لم يعد يمد يده لأحد لم يعد يرتدي ملابس الجينز أصبح يركب المرسيدس ويأكل ما يشتهي ويتمدد مثل (هارون الرشيد) إن كثيرا من الناس يتاجر في الدين فلماذا لا يجد لنفسه مكانا في الطابور؟ ثم لماذا لا يشتري الطابور! بنفسه قال (أشرف السعد): انه استثمر مدخرات المصريين في الخارج واستثمر الغطاء الديني الذي تكون بعد الانقلاب الفكري القومي وهو الغطاء الذي حرم التعامل مع البنوك واعتبرها رجسا من عمل الشيطان ولعب هذا الدور صحافيون وكتاب وسياسيون ومسئولون سخروا حياتهم لهذه المهمة التي لم تكن لوجه الله وإنما كانت ركوبا لموجة ثراء جديدة لقد مهدوا الأرض وسخروا العقول بأفكارهم وأصبحت البيئة مناسبة لقيام شركات توظيف الأموال واندفع الناس اليها وكأنهم قد وجدوا ضالتهم المنشودة بعد قرون من الصبر والمعاناة والانتظار أخيرا جاء اليهم المسيح المنتظر الذي سيشفي المرضى ويحيي الموتى ويحقق العدل والرخاء وفي شهور معدودة كان (أشرف السعد) يكسب مليون جنيه في اليوم وفي شهور خاطفة كان تحت يديه ودائع وأموال تتجاوز الألفي مليون جنيه وراح الناس في كل مكان يقفون على أبوابه بالطابور الذي كان يبدأ قبل صلاة الفجر ولا ينتهي بعد صلاة العشاء ووصل عدد فروعه في محافظات مصر الى 80 فرعا وكان كل من يطرق بابه يبكي بحرقة ويستجديه ويكاد يلثم الأرض بين قدميه حتى يقبل مدخراته وكان (أشرف السعد) يتنازل ويقبلها مؤكدا أن ثوابه الذي ينتظره ليس في الدنيا وإنما في الآخرة عند الله. بنفسه قال (أشرف السعد): أنه فهم اللعبة بسرعة مذهلة فمظهر الشاب الورع المتدين لا يكفي في دولة بيروقراطية عريقة في التعقيدات والقرارات لابد من اختراق السلطة من داخلها لابد من طابور خامس من كبار الموظفين الحاليين والسابقين ليصبحوا مثل (حصان طروادة) يخرجون من بطنه لانقاذه في الوقت المناسب وهكذا وجد في خدمته صحفيين وكتاب أعمدة وضباط شرطة ووزراء مثل الدكتور (مصطفى السعيد) وزير الاقتصاد الأسبق بل ورئيس وزراء سابق هو (كمال حسن علي) على أن كل هؤلاء في كوم والمدعي العام الاشتراكي الأسبق المستشار (عبدالقادر أحمد علي) في كوم آخر إن الذهول سيكون من نصيب كل من يسمع واقعة مزرعة المستشار عبدالقادر أحمد علي والتي أكدها في نفس البرنامج التلفزيوني الجريء الذي قدمته (هالة سرحان) مساعده في ذلك الوقت المستشار (حسني عبدالحميد) لقد وجد (أشرف السعد) المستشار (عبدالقادر أحمد علي) يعرض عليه شراء مزرعة يمتلكها وحدد بنفسه الثمن عشرة ملايين جنيه ولم يجد (أشرف السعد) الذي كان رهن التحقيق في جهاز المدعي العام الاشتراكي سوى أن يقول: (أليس السعر قليلا؟) ولم يفهم المدعي العام الأسبق السخرية ووقع عقد البيع واستلم شيكا بالمبلغ الذي حدده ولكن تسرب الواقعة الى الصحافة وتدخل الدولة جعله يتراجع عن البيع ويعيد الشيك الى صاحبه وفيما بعد بعد أن ترك المستشار (عبدالقادر أحمد علي) منصبه عاد ليعرض المزرعة على (أشرف السعد) من جديد ولم يكن أمامه سوى أن يقبل بالسعر الطبيعي وكان 4 ملايين جنيه أي أن هناك 6 ملايين جنيه كان يطالب بها بحكم منصبه واستغلالا لنفوذه ولعل ذلك ما جعل المستشار حسني عبدالحميد وهو بطل من أبطال مواجهة الفساد المشهود لهم بالكفاءة والنزاهة يقول في هدوء وثقة واطمئنانك (إن الفساد في داخل الجهاز كان أشد من خارجه). وبنفسه قال أشرف السعد: أن وزير الاقتصاد الأسبق الدكتور (مصطفى السعيد) كان مستشارا لأحد شركاته وأن الصراع الذي كان بينه وبين رئيس مجلس الشعب السابق الدكتور (رفعت المحجوب) أدى الى محاولة استخدام (أشرف السعد) في تصفية الحسابات بين هؤلاء الكبار ولم يكن من الممكن أن يخرج سالما في معركة وجد نفسه فيها بين ديناصورات شرسة وحيتان هائجة وتدخلت النيابة وبدأت صورة المستثمر المتدين الورع تهتز في عيون البعض وكان ذلك بداية العد التنازلي. وبنفسه قال (أشرف السعد): أنه كان صيادا للثروات كان يطارد المشروعات العاجزة عن النهوض ويشتريها بتراب الفلوس ويترك 20% لأصحابها ويمنحهم 20% أخرى مقابل ادارتها أي أنه كان يتنازل عن 40% من الأرباح حتى يحافظ على سلامة هذه المشروعات وحسن ادارتها ولكن يبقى السؤال القديم المزمن: كيف يترك 40% من الأرباح وفي الوقت نفسه يوزع 24% على المودعين؟ بخلاف مرتبات العاملين في شركات تلقي الأموال وبخلاف الدعاية وكشوف البركة؟ وأي مشروع يحقق هذا العائد الذي يتجاوز طبقا لهذه الحسابات أكثر من 80% من رأسماله؟ وبنفسه قال (أشرف السعد): أنه عرف بقرار التحفظ عليه قبل أيام من صدوره ولذلك لم يكن غريبا أن يكون في باريس وقوات الأمن تداهمه ولم يكن هناك مفر من العودة ووجد نفسه في السجن بعد أن انتقلت علاقة الحكومة بشركات توظيف الأموال من التدليل الى العقاب الصارم وفور أن خرج من السجن وجد طريقه الى الخارج واصبح أشهر الهاربين في طابور طويل يتزايد يوما بعد يوم. إنني لا أفتح جراحا قديمة تصورنا أنها ذبلت وجفت ولا أثير مشاعر وأحزانا مؤلمة تصورنا أن الزمن أخفاها وخطفها بعيدا عنا ولكني أعيد رواية قصة على لسان صاحبها نسمعها منه لأول مرة حتى لو تأخرت حوالي عشر سنوات فمن حق الناس أن تعرف ما جرى ولو بعد فوات الأوان ومن حق الناس أن تستفيد مما جرى حتى لا يتكرر فهل سنستفيد منه؟ أم أننا سنكرر ما جرى بنفس التهور ونفس الحماس وندفع نفس الثمن؟ أغلب الظن أن الاجابة لن تكون في صالحنا كل ما حولنا يؤكد ذلك.