لم يعد امتلاك الهاتف النقال حكراً على طبقة معينة تستعمله لطبيعة اعمالها الملحة, لكنه أصبح متاحاً للجميع وليس غريباً ان يتوقف الفَرّاش عن تنظيف زجاج مكتبك ليرد على مكالمة واردة من جزر الهند الشرقية, أو ليلبي دعوة صديق إلى مشاهدة فيلم السهرة الهندي في منزله, ثم يعود إلى تنظيف المكتب دون ان يعتذر منك, أو ان يشعر بأي حرج فهو لم يرتكب خطأ لان احداً لم يقل (ممنوع استعمال الهواتف النقالة في العمل) وكذلك لا يوجد اي قرار يحظر استخدام النقال لذلك فهو مسموح, والفراش المسكين ليس اكثر من عينة تتبعها آلاف العينات التي تعطل اشغالها وأشغال العباد في (طق الحنك) و(الرغي) في العام والخاص حتى نهاية الدوام! والحديث عن الهاتف النقال يدفعك إلى تحديد المستوى الاقتصادي لحامله فهو اذا كان من النوعية الجيدة فان حامله ميسور الحال واذا كان (نص نص) فان حامله ايضا دخله (نص نص) , واذا كان هاتفاً مقرقعاً كبير الحجم وكأنه من مخلفات الحرب الباردة فاعلم ان صاحبه يحمله لاسباب استعراضية او بدافع العدوى لان لا فَراش أفضل من فراش ولا سائق أفضل من سائق. ولكن اذا دفعك فضولك الى التدقيق جيداً في تعابير وجه المتحدث فانك سوف تكتشف المركز الوظيفي لحامل النقال وخاصة إذا تصادف وكان واقفاً إلى جانبك وانتما تنتظران اشارة المرور فهو يتحدث عبر السماعة ولا يكف عن تحريك يديه وكأنه يشرح للطرف الآخر عدم جدوى المحاولة, ولكنه عندما يضرب بقبضته على مقود السيارة فاعلم انه اتخذ قراراً ويطلب من سكرتيرته ان تنفذه حالاً, وسينطلق بمجرد فتح الاشارة بسرعة الصاروخ لان الغضب ألمّ به فرمى السماعة جانباً و(داس بنزين) . ولكن اذا كان جارك على الاشارة شابا وسيارته رياضية براقة فإنه يعبث طوال الوقت بسلك سماعة النقال فيلفها على اصبعه هكذا, ثم يجذبها قليلا ويعاود الحركة بشكل عكسي وعلى وجهه تعابير رخوة أو ناعمة مع ابتسامة تلتهم نصف خديه ونظرات شاردة لا تصطدم بشيء وكأنه يعيش في كوكب آخر ولن ينطلق بسيارته قبل ان (يزمر) له احدهم طالبا منه التحرك, ووقتها لن يحتاج الأمر الى ذكاء كبير لتعرف ان هذا الشاب كان يغازل فتاة على الطرف الآخر. أما اذا كانت جارتك على اشارة المرور امرأة فانها سوف تخدعك بابتسامتها وبشفتيها المصبوغتين حديثاً, ولن توفر نظراتها الهادئة التي توجهها اليك مع تقويس حاجبيها وكأنهما سيرميانك بسهم يصيبك في قلبك فتصبح صريع هواها, وطبعاً ستعبث بشعرها المسبل الناعم بحركات رشيقة من اصابعها وتعتقد لوهلة انها فتاة خجولة تريد ان تبث رسالة اليك بمجمل تلك الحركات, فتتشجع وترميها بابتسامة نارية أو غمزة عين جارحة, لكن سلك سماعة الهاتف النقال يفرمل أحلامك, لانها كانت تتحدث عبر الهاتف مع شخص آخر, وكدت ان تتورط في قضية تحرش وتنشر صورتك في صفحة المحليات تحت عنوان (المعاكسون) لكن ربك لطف. وعندما تنتقل من دور المشاهد في احداث النقال الى دور البطل فتأكد انك ستكون واحداً من هؤلاء الذين يخبطون على المقود عندما تناقش شأنا عويصاً مع احدهم, وستكون ناعماً ساهماً عندما تكون محدثتك امرأة وستعبث بياقة قميصك طويلاً قبل ان يبعق زمور سيارة خلفك طالبا منك التحرك. (وما حدا احسن من حدا) . حسين درويش