لم تبق كلمات تقال عن طلال مداح. الذين عشقوه, قالوا جميع كلمات الحزن والحب فيه. كتبوا عنه كثيراً من المقالات والعبارات والصفحات الكاملة, والذين كتبوا بثوا في كلماتهم اعتذارهم من انها قاصرة في التعبير عن خلجات لحظة وجع تلقيهم الخبر. الموت هكذا خبر موجع, يزلزل القلوب, وتبقى حروف الكلمات ناقصة وضيقة عن بلوغ الوصف, في الوصول الى حقيقة وتر الوجع الذي يسكن القلب, قلب المحب. لحظة تلقي الخبر, وجدتني فرداً من الحزانى, الذين يبحثون عن بقايا طلال في الاعلام الذي عرفهم بطلال, وجعلهم يسعدون عمرهم الماضي بروائع هذا الفنان, في ليلة السبت خصصت فضائية الشرق الاوسط, سهرة حزينة تحمل اتصالات من مطربين ومطربات, فنانين, صحفيين, وجمهور عادي واطفال صغار, من السعودية ومن مختلف البلدان العربية ومن جميع انحاء الدنيا, جميعهم يتحدثون عن طلال وبعضهم كان يتحدث من غير كلمات, صوته كان بكاء وعويلا. بث مباشر وتميز اعلامي, لم نتعود حدوثه في اعلامنا العربي الا نادرا, وان تحقق فإنه يكون مقصورا على الرياضة وفي حالات الحرب والكوارث وتغطية اخبار السياسة العظمى فقط. في صباح اليوم التالي والايام التي تلته شغلني فضول الصحفي لمطالعة اكبر عدد من الصحف الخليجية والعربية, ابحث في كيفية تعاملها مع الحدث: اين وضعته في الاولى ام الاخيرة؟ هل كان على عمود ام اكثر؟ مع صورة أم بدونها؟ هل مارس المحرر الفن الصحفي في كتابة العنوان والصياغة ام اكتفى بالخبر الرسمي؟ اقرأ التفاصيل في الصحيفة الخضراء, واعود اقرأ ذات التفاصيل في الجريدة البيضاء ماذا قال اولئك الذين شاهدوه قبل الموت؟ اطالع المسرح الذي وقف عليه الفنان في ليلته الاخيرة, واتأمل الصور المتتابعة, السريعة والضعيفة التي نشرتها (عكاظ) للحظات سقوط الفنان, سيارة الاسعاف وهي تنقل الجثمان وبجانبه ابن الفنان, وكذلك صديق عمره وغريمه الفنان محمد عبده, اقرأ رثائيات تحمل صورا وداعية جميلة, كتبتها اسماء اعلامية بارزة في (الرياض) مقالة رائعة بقلم الاستاذ تركي السديري تتحدث عن شخصه, صورة ذلك البدوي يدخل عالم المدينة فكانت ذكرياته الاولى عن (ثقافة الورد) التي زرعها فيه صوت الفنان طلال, وزوايا اخرى لكتاب متميزين مثل: محيي الدين اللاذقاني, عبدالله الجفري, يوسف ابو لوز, حسن مدن, واخرين. اربعون عاما والف اغنية ولحن, عطاء غزير في عمر طويل وجميل, ملك ان يقدم فيه الفنان طلال, روائع تغنت بها اجيال واجيال, في كل بقاع هذا الوطن الكبير العريض من مغربه الى شامه وخليجه, فمن ينسى: (وردك يا زارع الورد) او (مقادير) او تلك الخالدة, الحزينة (زمان الصمت) : وترحل صرختي تذبل في وادي لاصدى يوصل ولا باقي انين زمان الصمت ياعمر الحزن والشكوى ياخطوة ماغدت تقوى على الخطوة على همّ السنين والتي كثرت الاشاعات عن مناسبتها عندما سمعها الجمهور لاول مرة قبل عشرات السنين, فقيل ان كلماتها من اشعار الفنان, وانه قالها في طفلته الصغيرة التي كانت تتحرك خلف سيارته فصدمها دون ان ينتبه لوجودها, وعند صرختها نزل مسرعا, ضمها لصدره لكنها ماتت بين يديه, فنطق بكلمات ولحن الاغنية, وهو في تلك اللحظة العصيبة هكذا سرت الحكاية آنذاك من شدة تأثر الفنان وابداعه في اداء الاغنية, ومن روعة كلماتها التي فطنا بعد زمن الى انها من شعرالامير الشاعر بدر بن عبدالمحسن. غنى عندما كانت وسائل الانتشار ضعيفة, وعندما كان الغناء امرا غريبا, جعل منه الصبر والارادة والموهبة الحقيقية نجما فريدا, اصبح مع الايام مدرسة, قيثارة, معلماً عربياً, خليجياً سعودياً بارزاً. لم يصمت الا عندما شعر بتغير الزمن, والصحة, واذواق الناس وآذانهم, وعندما قرر ان يعود بعد هذا الغياب, فلأمرين, الامر الاول الذي ذكره لاصدقائه ونشر في الرثائيات, وهو عزمه ان يعود للغناء لتعيش اسرته! الامر الآخر الذي لم يذكره, انه عاد يغني ليموت وهو يغني, فوداعيته لهذا الفن الذي احبه واخلص له, لخشبة المسرح, ولجمهوره, ان يموت عندهم, فهكذا يكون الحب, يكون الوفاء, يكون العشق الخالد. *** في الاسبوع ذاته يترجل فارس اخر, هو من جيل الكبار, الرواد ايضا, اخلص في الحب والوفاء لهذة الامة, في ميدان اخر. انه قسطنطين زريق, احد الرموز الذين ناضلوا في سبيل نشر الوعي بالقومية العربية ودعم كيانها, آمن بها عمره الطويل الذي زاد على التسعين, ولم يتنازل او يتشكك بالمبدأ والامل في نشر الرسالة, حتى في احلك الفترات التي مرت بها الامة العربية كان يحلم بها ويوصي بها. ومن اجل القومية العربية, زهد في المناصب السياسية والقيادية, وتفرغ للتاريخ والكتابة, فكانت مساهماته نشر الوعي وتدريسه لطلابه في الجامعة, او لقرائه من خلال سلسلة طويلة من الاصدارات والكتب القيمة مثل (الوعي القومي, معني النكبة, اي غد, هذا العصر المتفجر, في معركة الحضارة, نحن والمستقبل, مطالب المستقبل العربي) واخر انتاجه (ما العمل؟ حديث الى الاجيال العربية الطالعة) . كذلك دوره البارز في تأسيس ودعم العمل في مؤسسات فكرية رائدة تهتم بالبحث والتنوير, مثل: مؤسسة الدراسات الفلسطينية, ومركز دراسات الوحدة العربية. امثال الدكتور قسطنطين في هذا الزمن قلة, فهذا زمن اللاهدف واللامبدأ, زمن (الانا) او لا. عندما يرحل مثل هذا المفكر الملتزم يشعر الانسان ان الخسارة ثقيلة.. انها خسارة امة.