قرار فك تجميد عضوية السودان في صندوق النقد الدولي الذي أعلن قبل أسبوعين يمثل دون شك خبرا سارا من حيث انه يحمل افادة ضمنية بتحسن وضع السودان الاقتصادي, وبالتالي وضعه المالي, لكنه من وجه آخر قد يكون نذير شؤم. عندما أذيع قرار الصندوق كنت في الخرطوم, وحينئذ سمعت مسئولين ومعلقين (أو قرأت لهم) يقولون ان القرار مرتبط بعوامل سياسية تتعلق بالتغيير الذي طرأ على أسلوب التحرك الخارجي للحكومة السودانية في أعقاب الطلاق مع جماعة الترابي, هؤلاء يستشهدون بأن الولايات المتحدة لم تبد اعتراضا على اعادة تأهيل السودان لعضوية الصندوق عندما عرض الأمر للتصويت على مندوبي الدول الأعضاء. إن مثل هذا الاستخلاص مستمد في تقديري من حادثة الماضي حيث ان معاداة الصندوق للسودان (التي يرجع تاريخها لسبعة عشر عاما للوراء) كانت أصلا مدفوعة باعتبارات سياسية رغم تعاقب الأنظمة الحاكمة في الخرطوم واختلافها. لكن بظهور النفط الآن فإن الحاضر صار مختلفا نوعيا عن الماضي. فعائدات النفط فتحت شهية إدارة صندوق النقد لتستأنف هوايتها المفضلة تجاه السودان ودول العالم الثالث عموما: (جباية الديون) . ولكي تتضح الصورة أكثر علينا أن نعيد إلى الأذهان ان صندوق النقد توقف منذ ما قبل منتصف الثمانينيات عن مواصلة اقراض دول افريقيا بصورة خاصة, ولذا تفرغت إدارة الصندوق لمهمة الجباية عن القروض السابقة وفوائدها. ولم يكن هذا التحول بلا سبب, فقد أدركت إدارة الصندوق والدول الغربية الدائنة عموما ان معظم الدول الافريقية المدينة وصلت عند منتصف الثمانينيات حافة الافلاس بحيث يكون مخاطرة جسيمة الاستمرار في منحها المزيد من القروض. ولكن حالة الافلاس المزمن تكرست لدى الدول الافريقية (ومن بينها السودان) لدرجة انها صارت عاجزة حتى عن مواصلة سداد الديون القديمة. وفي ظروف عصيبة كهذه تتحرك كوامن الجشع لدى مجموعة الدول الغربية الدائنة عندما ترى دولة مدينة مفلسة تهب عليها ريح انتعاش اقتصادي, من هنا تتجدد المطالبة بسداد متأخرات الأقساط والفوائد المركبة. في تقديري هذا هو الاعتبار الذي جعل إدارة صندوق النقد الدولي تتحرك لفك تجميد عضوية السودان.. لتكون الخطوة التالية مطالبة الحكومة السودانية باستئناف عملية سداد الديون. وفي الحقيقة لم يرفض السودان بصورة قاطعة مبدأ السداد وإنما كان يصر على ألا يدفع إلا مبالغ رمزية منتظرا من إدارة الصندوق أن تقدر ظرفه المالي العصيب المتمثل في حالة شح مزمن في أرصدة النقد الأجنبي. الآن, وبظهور مورد النفط, اختلف الأمر.. فالصندوق الدولي يستطيع الآن أن يقول للخرطوم ان حجة العسر المالي قد سقطت أو على طريق السقوط.. وبالتالي تطالب إدارة الصندوق الحكومة السودانية بمضاعفة ما تدفعه شهريا أو سنويا على سبيل مواصلة سداد ما عليها لصالح الصندوق. والسؤال الذي يجب أن يطرح هو: هل تتجاوب الحكومة السودانية مع الصندوق؟ وإلى أي مدى؟ وهل تستفيد من الموقف الجديد بطلب قروض ميسرة من الصندوق في المقابل؟ في كل الأحوال يجب أن تتوخى الحكومة الحذر بحيث لا تتبدد عائدات النفط في انفاق اهداري لصالح الصندوق الدولي وعلى حساب رفاه الشعب السوداني الذي عانى ويعاني بما يكفي.