خاض الغرب الرأسمالي حربا شعواء ضد الشيوعية منذ قيام الاتحاد السوفييتي عام 1971 وحتى سقوطه وتفسخه وتحوله إلى دويلات لا حول لها ولا قوة بعد انهيار (جدار برلين) عام ,1989 استخدمت الرأسمالية في تلك الحرب جميع أنواع الأسلحة ووظفت فيها كل الأدوات التي كانت بين يديها, وتملك تحريكها بالمال طبعا, بما فيها الأدب, وربما كانت رواية (1984) للكاتب البريطاني (جورج أورويل) أقسى سلاح أدبي في هذه المعركة, فقد كانت الرواية مكتوبة من منطلق أيديولوجي رأسمالي, وموجهة خصيصا إلى جميع شعوب العالم التي يمكن أن تفكر في الانضمام إلى الأيديولوجية الشيوعية, فتخرج بذلك وإلى الأبد من السيطرة الرأسمالية, وتحذر الرواية تلك الشعوب من السقوط في براثن النظام الشيوعي, الذي (لا يهدف إلا إلى السيطرة على كل شيء) , دون أن تبين الرواية بالطبع أن (الحياة في ظل الرأسمالية ليست أفضل حالا) . الرواية التي صدرت قبل خمسين عاما وتعتبر من أكثر الأعمال الأدبية انتشارا, تصور (الدولة الشيوعية) المنتظرة وكأنها سجن كبير, كل فرد فيه يخضع للرقابة المحكمة التي لا تترك له الحرية في أي شيء, وتحرم عليه حتى حرية الشعور الإنساني أو اختيار شريك الحياة, لأنها دولة ترفض حتى مجرد الإحساس بمشاعر الحب تجاه الآخر, لأنها ترى في هذا الشعور ممارسة (برجوازية) لا تجوز في (المساواة المطلقة) , ومن يرتكب هذا (الإحساس الرومانتيكي) في تلك الدولة يكون معرضا للمحاكمة والقضاء عليه. بل ان الحياة في (الدولة الشيوعية) المستقبلية, طبقا للرواية, يكون الفرد فيها محروما من الأساسيات, وبعض تلك الأساسيات تتحول إلى رفاهية بسبب انعدام وجودها, فالقهوة والشيكولاتة رفاهية لا يجوز لسكان الدولة الشيوعية تذوقهما أو حتى مجرد ذكرهما, على الرغم من الكثير من ان سكان الدول الرأسمالية أو شعوب الدول التي تسير في ركابها لم تذق طعم الشيكولاتة منذ قيام الاتحاد السوفييتي وحتى سقوطه (؟!). رواية (1984) لا ترى إيجابية واحدة في (الدولة الشيوعية) , وترسم بالتالي صورة إيجابية كاملة للرأسمالية لا سلبية فيها, طبقا لرواية جورج أورويل (الشيوعية كلها شر) و(الرأسمالية كلها خير) طبقا لما تريد ان توصله الرواية للقارئ. مرت الأيام وجاء عام 1984 وذهب, ولم تقم للدولة الشيوعية المطلقة قائمة, بل ان نهاية الدولة الوحيدة التي كانت نموذجا يثير (رعب) مؤلف الرواية وناشريها والمروجين لها سقطت بعد هذا التاريخ بقليل, أي أن التاريخ الذي تنبأ فيه المؤلف بقيام تلك (الدولة المرعبة) كان بالضبط التاريخ الذي شهد بداية أفولها واستعدادها للسقوط في مزبلة التاريخ. سقوط الدولة الشيوعية التي حذر منها جورج اورويل لم يكن في الحقيقة تكذيبا لنبوءته أو تكذيبا لرؤيته, جاء سقوط الدولة الشيوعية ليؤكد أن كل ما كان يحذر منه المؤلف يمكن أن يحدث, ولكن على أيدي النظام الرأسمالي الذي كان يتحدث باسمه محذرا من خطر الشيوعية, لأن الرأسمالية لم تكن ولن تكون أفضل بأي حال من الأحوال, بل ان تلك الرأسمالية استغلت فرصة سقوط الدولة الشيوعية, التي لم تقم أبدا في الحقيقة والواقع, لأن الاتحاد السوفييتي لم يكن نظاما شيوعيا كما حاول البعض أن يروج, وقامت تلك الرأسمالية بإفراز أدوات لا هم لها سوى (السيطرة التامة والكاملة على حياة البشر) , أي تحقيق ما لم يتحقق في الواقع بسبب عدم قيام الدولة الشيوعية. أفرزت الرأسمالية في غياب (الخطر الشيوعي) شركات كبرى لا ترى في البشر سوى أدوات تسخرها لأهدافها, والفرد في ظلها ليس مسموحا له بالاختيار في أي شيء, ولا حتى في الإحساس بالحب, وكل خطواته محسوبة عليه, وذلك من خلال مسخ إحساسه عبر أدوات الإعلام الموجه والمخطط له بإحكام. وصل هذا التخطيط قمته في التنفيذ المحكم من خلال نوعية جديدة من الإعلانات الدعائية, التي تحدد للفرد أفضل مأكل وملبس, بل لون عيون الحبيبة وشعرها وطريقة مشيها وكلامها, لأن المرأة إذا سارت بطريقة غير التي تدعوها إليها الإعلانات, أو اختارت لون ملابسها وأحمر الشفاه وتسريحة الشعر بخلاف ما تعرضه عليها الإعلانات لا تصلح للحب, وبالتالي لن تجد الشريك المناسب, لأنها تقع خارج نطاق الشكل الذي وضعت مواصفاته أدوات الرأسمالية. هذا الإحكام تم تطبيقه واقعيا أولا على الشعوب الغربية التي تعيش في ظل الرأسمالية المرفهة, التي لم تعرف الشيوعية ولم تشعر بخطرها, لأن الشعوب الأخرى فيما يبدو تم إحكام السيطرة عليها من خلال حكامها أنفسهم, لذلك هم ليسوا بحاجة إلى بذل جهد للسيطرة عليهم. إحكام السيطرة على شعوب الدول الرأسمالية يجري تنفيذه حاليا من خلال خلق نوع من (الفرجة الشعبية) الجديدة, التي تصنع من الفرد الجالس في بيته مشاركا في صنع (سجنه الخاص) , ومشاركا في صنع النسق الذي حذر منه جورج أورويل. بدأت هذه (الفرجة الشعبية الموجهة) ببرنامج تلفزيوني محكم الصنع, يرى فيه المشاهد شبيهه المشاهد من خلال مراقبة حياته اليومية طوال 24 ساعة في اليوم, وعلى المشاهد أن يحكم على (اللاعبين) في هذا البرنامج بما يجب وما لا يجب أن يفعلوه, كل هذا تحت سمع وبصر مجموعة من المختصين الذين منحتهم (الرأسمالية) السلطة لتصنيع بشر لا يعرفون من الأحاسيس سوى ما ترغب في نشره وتطبيقه على العامة, أي تطبيق الأدوات التي تنبأ بها جورج أورويل في روايته (1984) , ولم تحدث في الواقع. إنه البرنامج التلفزيوني (الأخ الأكبر) الذي تذيعه القنوات الخاصة في عدد من الدول الأوروبية والولايات المتحدة الأمريكية, وتبين من خلال استطلاعات الرأي أنه أكثر البرامج نجاحا من ناحية عدد المشاهدين الذين يتابعونه بشكل يومي, وتذيعه بعض القنوات طوال 24 ساعة في اليوم, أي يراقب خلاله المشاهدون حياة بشرية واقعية بكل تفاصيلها طوال أربع وعشرين ساعة (!). يقسم البرنامج السكان إلى نصفين, جمهور ومشاركين, الجمهور هم كل من يملك جهازا في بيته, والمشاركون هم أربعة عشر شخصا من الجنسين يعيشون في بيت محاط بكاميرات تلفزيونية تنقل حياتهم, صوتا وصورة, على الهواء مباشرة طوال أربع وعشرين ساعة. على سكان هذا البيت أن يعيشوا حياة طبيعية, أو أقرب إلى الطبيعية طوال 90 يوما, تحت سمع وبصر جمهور يراقبهم في كل حركة من حركاتهم, أي برنامج تلفزيوني (رأسمالي) يطبق ما تنبأ به جورج أورويل عن الحياة في (الدولة الشيوعية) في روايته (1984) . على الجمهور الذي يلعب دور المشاهد, ان يلعب دور الحكم أيضا, وأن يحكم على تصرفات (سكان البرنامج) ويطرد منه ما لا يرى أنه متوافق مع ذوقه, أي يمارس الجمهور دور الرقيب. بالنسبة لتجربة برنامج (الأخ الأكبر) الذي كانت تبثه القناتان الخاصتان في أسبانيا, إحداهما تبثه على الهواء طوال 24 ساعة, والأخرى تقدم له ملخصا يوميا وكأن الأمر يتعلق بحدث تاريخي يفوق هبوط رائد الفضاء الأمريكي أرمسترونج على سطح القمر, تكشف إلى أي مدى وصلت أدوات الرأسمالية إلى إحكام السيطرة على عقول الشعوب المتعلقة بها, فقد قام الجمهور بمحاكمة كانت نتائجها متطابقة تماما مع كل ما تنبأ به جورج أورويل في الدولة الشيوعية (المحتملة) (!). أول عقاب أنزله الجمهور بالمشاركين في البرنامج أن منع عليهم أن يشعروا بعاطفة الحب تجاه الآخر, وعند أول عملية تصويت على اختيار أول مطرود من (بيت برنامج الأخ الأكبر) وقع الاختيار على أحد أول اثنين جمعت بينهما رابطة الحب خلال التعايش معا في البيت (المراقب) , وكأن الجمهور يقول انه (ممنوع الشعور بالحب تجاه الآخر, ومن يسقط في هذا الإحساس يجب معاقبته) , الحكم مطابق تماما للموقف الذي تعرض له (ونستون سميث) في رواية أورويل, فقد كان حبه لجوليا الحجر الذي عثر فيه قدمه وسقط ولم تقم له بعدها قائمة, فقد حكم جمهور المشاهدين للبرنامج التلفزيوني الأسباني بطرد المرأة التي وقعت في حب أحد سكان (البرنامج) , وكأن الحب هو مرحلة لا يبدو ان يمر بها الإنسان في طريقه نحو الموت والفناء. إنه التطبيق الحرفي لصناعة (ما ضد اليوتوبيا) أي تحقيق ما كان يهدف إليه جورج أورويل ومروجو روايته, ولكن مع فارق كبير وأساسي وهو أن هذا التطبيق يحدث في ظل الرأسمالية وليس في ظل الدولة (الشيوعية الستالينية) التي كان يخشى قيامها الغرب الرأسمالي. هذا البرنامج التلفزيوني (الناجح) في ألمانيا وهولندا وأسبانيا والولايات المتحدة يجسد بشكل كامل ما أكده جورج أورويل في روايته ,1984 في ظل تراجع سيطرة النظام الاجتماعي والحكومات الوطنية لصالح الشركات المتعددة الجنسية, نحن الآن في ظل (نظام اجتماعي هدفه تدمير الذات الفردية) لإرضاء رأس المال. كاتب مصري مقيم في أسبانيا.