كلما تأملت أوضاع روسيا ومآسيها وما آل اليه حالها تذكرت أحد سكان قريتي بالصعيد. بلدياتي هذا كان ضخم الجثة, عريض المنكبين, سلوكه أقرب إلى شخصية الفتوة التي صورها نجيب محفوظ في كثير من أعماله, ورغم طيبة قلبه وحديثه الدائم عن القيم و(الجدعنة) , فإنه كان (فشاراً كبيرا) لدرجة انه يقص عليك من خياله ما يحلم انه يفعله عمليا في الحياة. مرت الأيام وذهب شبابه وأصابته كل الأمراض المعروفة وغير المعروفة, وأصبح مضربا للأمثال فيمن جار عليه الزمان. روسيا لا تختلف كثيرا عن بلدياتي, بل ربما كانت مثالا على انه لا فرق حقيقيا بين ما يصيب الدولة أو الأمة أو حتى الامبراطورية وبين ما يصيب الفرد العادي! ومنذ ثلاثة أيام ونحن نتابع كارثة الغواصة النووية (كورسك) الراقدة في بحر الشمال المتجمد بلا حراك وكأنها غواصة تابعة للأسطول البحري في جزر القمر وليست إحدى القوتين العظميين. قبل الغواصة انفجر مفاعل تشيرنوبيل النووي في الثمانينيات عندما كان هناك ما يسمى بالاتحاد السوفييتي مثلما تنفجر اسطوانة غاز في منزل بأحد الأحياء الشعبية الفقيرة في أي دولة بالعالم الثالث نتيجة الاهمال والبيروقراطية. الجيش نفسه الذي كان يسبب الكوابيس والمخاوف لكل أمريكا وأوروبا ونصف العالم, تعرضت كرامته لأسوأ ما يمكن تصوره, هزم في الشيشان على أيدي مجموعة صغيرة من الثوار عام 1996 ويكاد السيناريو يتكرر الآن, وقبل ذلك خرج مهانا يجرجر أذيال الخيبة من أفغانستان, والآن ولأن جنوده لا يتسلمون رواتبهم فليس مضحكا عندما نقرأ عن أحدهم وهو يقايض دبابته مقابل وجبة طعام, أو أحد القادة وهو يعرض شحنة يورانيوم مسروقة لدولة أخرى مقابل شقة وحساب بنكي في أي عاصمة غربية. وهكذا فإن الدولة التي هزت العالم وامتلكت 30 ألف رأس نووي لا يجد مواطنوها لقمة العيش الكريمة, وتملأ فتياتها فنادق العالم ذات النجمة الواحدة أو نصف النجمة! ويهرب علماؤها إلى أي مكان يوفر لهم الحد الأدنى من الحياة الكريمة حتى لو كان هذا الهرب إلى الشيطان الاسرائيلي نفسه!! في اليوم الأول لغرق الغواصة قبل أيام قالت روسيا لن نقبل مساعدة من أي طرف, وأمس أعلنت انها تقبل المساعدة من أي جهة أتت كما قال رئيسها بوتين, وهذا بالضبط ما يفعله بلدياتي في الصعيد الآن!! عماد الدين حسين emadiraqi @ yahoo. com