ثلاثة عوائق رئيسية هي التي يمكن ان تجعل من عائدات ثروة النفط السوداني هباء منثورا, هذه العوائق التي انعقد عليها شبه اجماع بين من تحدثت اليهم (كلا على حدة) من اقتصاديين وسياسيين ودبلوماسيين هي: * استمرار الحرب في الجنوب. * الاهدار في الصرف الحكومي. ان عائدات النفط مرشحة للتصاعد مع تصاعد تقديرات المعدل الانتاجي للنفط الخام في حقول (هجليج) الواقعة في اقليم كردفان الغربي, فقد ابلغني جيولوجي يعمل هناك ان شركات النفط الاجنبية الثلاث ـ صينية وكندية وماليزية ـ مافتئت تكتشف ان الاحتياطيات النفطية في تلك المنطقة اضخم مما كان مقدرا له عند بداية التنقيب في مطلع هذا العقد. بناء على التقديرات السابقة قدر معدل الانتاج بنحو 250 الف برميل يوميا (منها 50 الفا للاستهلاك المحلي) تزداد خلال عامين الى 350 الفا, ولكن المرجح الان ـ بعد اكتشافات لاحقة ان معدل الانتاج اليومي قد يتجاوز ضعف الرقم الحالي في اتجاه مليون برميل يوميا. وفي سوق نفطية عالمية تزداد فيها أسعار النفط الخام ولاتنقص بأن الوضع المالي للسودان سوف يزداد متانة مع تنامي تدفقات النقد الاجنبي, ومن مؤشرات هذا التحسن استعادة السودان لجدارته الائتمانية في الاسواق المصرفية والمالية العالمية بما يعيد فتح ابواب الاقتراض امامه. هذه الاخبار السارة سرعان مايخفت بريقها عند الالتفات الى العوائق السلبية الثلاثة المشار اليها. استمرار القتال في جنوب السودان بمعدل صرف حكومي على الحرب يناهز مليون دولار يوميا او يزيد سوف يبقى مصدر استنزاف مالي خطيرا, اكثر من ذلك فإن الحكومة قد لا تستطيع مقاومة اغراء مضاعفة الصرف على التسليح والتجهيزات العسكرية استفادة من عائدات النفط اذا تضاعف الدعم الامريكي لقوات قرنق بغرض توسيع نطاق الحرب. لقد ثبت ان استمرار قرنق في تأجيج الحرب لضمان ابقائها مشتعلة لاجل غير مسمى قرار استراتيجي امريكي يهدف الى ابتزاز اي نظام حاكم في الخرطوم اليوم وغدا بغرض اخضاعه للأجندة الأمريكية تجاه العالم العربي (وفي مقدمتها امن اسرائيل) والقارة الافريقية (محاربة المد الاسلامي في النصف الجنوبي من القارة) لذا نفهم لماذا واصلت وتواصل قوات قرنق القتال دون هوادة ضد اربعة انظمة متتالية: نظام نميري والنظام الانتقالي برئاسة سوار الذهب والنظام الحزبي الديمقراطي بزعامة كل من المهدي والميرغني ونظام (الجبهة الاسلامية) الراهن؟. وازاء استنزاف الحرب للموارد الوطنية والخزينة العامة فإنك قد تظن ان الحكومة لابد ان تنتهج سياسة تقشفية بصورة عامة لكن العكس هو الواقع,وهذه كارثة. فالنهج السائد هو الاهدار بغرض تثبيت قاعدة النظام الحاكم. خذ مثلا تقسيم الولايات, حتى ما بعد ذهاب الادارة الاستعمارية البريطانية كان السودان ينقسم الى تسع ولايات فقط (مديريات) يحكمها تسعة مديرون, الان توجد27 ولاية. والمخصصات المالية لكل وال منها تكاد تناهر مخصصات رئيس الدولة, وقس على ذلك ما لا يحصى من مفردات الصرف البذخي وأبرزها استيراد سيارات جديدة بأعداد متضاعفة لوزراء يعدون بالعشرات. واذا لم يتغير هذا النهج الاهداري فإن العائدات المالية للنفط سوف يكون مصيرها التبديد لان الاسراف لايعرف نهاية, ومن الهمسات التي تتردد في هذا السياق ان مصروفات الحزب الحاكم الجديد (المؤتمر الوطني) سوف تتحملها الخزينة العامة.