يشهد عالمنا المعاصر تغيرات دراماتيكية تشق مجراها في شتى المجالات السياسية والاجتماعية والثقافية والاعلامية والاقتصادية وفي مختلف دروب الحياة. وهذا يحتم على الاعلام العربي الذي يشكل موضع اهتمامنا في هذا المقال, ان يتلاءم مع هذه التغيرات, ويساير الزمن, حتى لا تبقى هناك هوة بين ما يجري على الساحة العالمية من تطورات سريعة وتجديدات مثيرة, وبين ما تقدمه اجهزة اعلامنا التي تشمل الصحافة والاذاعة والتلفاز. ولا ننكر ان بعض هذه الاجهزة استطاعت ان تتجاوب الى حد ما, مع مستلزمات العصر, وان تتناغم مع ايقاعات الاحداث الجارية, إلا ان بعضها الآخر ما زال يقبع سجينا في شرانق ضيقة لا يسعه الافلات منها, ويكتفي بتقديم المواد الجامدة والتقليدية التي لا تواكب المستجدات ولا تتحرك كما تتحرك عقارب الزمن, ولا تتناسب مع الرياح الجديدة العاتية التي تهب على العالم.اننا اليوم نحيا في عصر التغيير الذي تبرز فيه مفاهيم وتطورات لم نعهدها من قبل, مثل العولمة والمجتمع المدني والانترنت وغيرها. ومن واجب اعلامنا الا يتخلف عن ركب الاحداث. ونخص بالذكر الصحافة, نظرا لأنها الاكثر تأثيرا في تكوين الرأي العام, بحكم قدرتها على الجمع بين التزويد بالخبر من جهة والتثقيف الجاد المعمق, من جهة اخرى. فمن واجب هذه الصحافة ان تولي اهتماما اكبر للمستجدات وان تتبع مناهج نوعية جديدة في المعالجة, حتى تصبح في مستوى التقدم المذهل الذي يجتاح عالمنا المعاصر. لقد ولى الزمن الذي كان فيه بوسع آية دولة ان تغلق الابواب والمنافذ وتزيل الجسور التي تصلها بباقي انحاء الارض, لأنه اصبح من الواضح ان المصالح التي تشترك فيها جميع دول العالم اخذت تطغى بالتدريج على المصالح المحلية الضيقة. ونذكر في هذا المجال ضرورة ايجاد حلول دولية لمشكلات مثل سخونة المناخ وتلوث الفضاء وترقق طبقة الاوزون ونقص المياه والفساد والجريمة والامراض المستعصية. وهي كلها قضايا يتأثر بها كل انسان دون استثناء على سطح كوكبنا. وهذا يعني اننا نعيش اليوم في عصر العولمة والعالمية, وهما مفهومان متقاربان ومتشابهان. وعلى صحافتنا ان تتصدى لمتطلبات هذا العصر بكل جدية ودأب. ونظرا لأن معظم ما تنشره هذه الصحافة اضحى صفحات مكشوفة ومفتوحة على شاشات الحواسيب المتصلة بشبكة الانترنت الدولية, فإن من الجدير بها ان تتطور وتحافظ على مستوى لائق, وتتجنب المحاذير التي يمكن ان تسيء الى صورتها وتمس سمعة العرب. وهناك في هذا المجال, الكثير مما يمكن عمله لتطوير صحافتنا: ونذكر على سبيل المثال ضرورة فك الارتباط وفصل الاتصال بين النشر والمصالح.. فالعلم للعلم, والثقافة للثقافة, والصحافة للصحافة, والمصلحة الوحيدة التي يجب الحرص عليها هي مصلحة الدورية والقارىء, وللأسف فإن بعض الدوريات العربية ـ وليس جميعها بالطبع ـ تنشر احيانا مقالات غير قيمة بسبب مصالح او صداقات معينة, مما ينعكس سلبا على مستواها ومكانتها اللذين لا يخفيان عن اعين الانترنت التي ترصد كل ما ينشر في الدوريات. وفي ميدان السياسة, فإن من واجب الصحافة الاقتراب من التحليل الهادىء الرصين والابتعاد عن الانفعالية والديماغوجية والاسفاف الكلامي الخالي من المضمون, وعن التمجيد المفرط الذي لا يستند الى اي اساس... فالتقريظ السياسي ينبغي ان يكون بمقدار الانجاز الحقيقي, وليس بهدف التقريظ بحد ذاته. ولا يفوتنا ان نشير الى اهمية القضاء على المطبعية في الصحافة العربية. كما يجدر بدورياتنا العربية ان تكثر من النشر للكتاب الموثوقين ذوي الاهليات المعترف بها. تجنبا للوقوع في فخ لصوص الكتابة والتردي في مهاوى السطحية والابتذال. وليس معنى هذا ايصاد الآبواب واغلاق النوافذ امام الكتاب الناشئين.. بل يمكن النشر لهم بعد التحقق من خلفياتهم الثقافية الحقيقية. وبما ان الكاتب هو اللبنة الاساسية في صرح الصحافة, فإن على اصحاب القرار الاهتمام به وبحقوقه المادية والمعنوية, لأن هذا سينعكس ايجابا على مستوى الصحافة. فالدوريات الهزيلة التي تهدف الى الدعاية والترويج وتمجيد بعض المسئولين تمجيدا مفرطا بدون وجه حق, مما يسيء الى سمعة العرب, وهذه مجرد امثلة عما تستطيع صحافتنا ان تفعله في عصر العولمة, لتبييض صفحاتها على شاشات الانترنت ذات العيون الراصدة التي لا تنام. وننتقل الآن الى ما يتعلق بالمجتمع المدني الذي تنعم به الدول المتقدمة, بينما ما زلنا في بدايات الطريق الموصلة اليه. وفي هذا المجال, يتوجب على صحافتنا الاكثار من الموضوعات المرتبطة بالديمقراطية والحرية والتعددية وحقوق الانسان. فهذه هي لغة العصر التي تحظى بالاحترام. ونحن لا نطلب من دورياتنا ان تفعل هنا اكثر مما تستطيع, لأننا نعرف ان هناك خطوطا حمراء لا يمكن تجاوزها. ومع ذلك فإن بامكانها ان تسهم الى حد ما بتقليص هذه الخطوط وتوسيع اطر الحرية, عن طريق اقناع المسئولين من خلال مقالاتها وافتتاحياتها بأنه لا مكان في حضارة القرن الحادي والعشرين الا لمن يستجيب لمستلزمات المجتمع المدني. ونظرا لاننا نعيش ايضا في عصر المعلوماتية, فإن على دورياتنا, ان تقدم للقراء ادق المعلومات والارقام والبيانات, واحدثها بطريقة نوعية متقدمة, حفاظا على سمعتها, لأن شاشات الانترنت تستطيع كشف المعلومات الخاطئة وغير الدقيقة. ولابد من رفد مقالات المعلومات بالمقالات الانطباعية والابداعية التي تعبر عن آراء الكتاب وتساعد على تغيير عقول الناس وطرق تفكيرهم. ونظرا لأن النظام العالمي الجديد يسعى الى حل جميع المشكلات الاقليمية في العالم, فإن هذا يعني اننا مقبلون على عصر جديد قد يسود فيه سلام نأمل ان يكون عادلا وليس سلاما على حساب الشعوب الفقيرة. ومن هنا فإن على صحافتنا ان تواكب هذا التطور وتشجع على نبذ العنف وهجر الحروب. وهكذا, فإذا كان لكل عصر مستلزماته, فإن للعولمة والمجتمع المدني والسلام والانترنت ومستلزماتها ايضا. وعندما يتعلق الامر بالصحافة العربية, فإن المستلزمات المذكورة تتبدى في ضرورة سلوك هذه الصحافة مسالك جديدة وركوبها مراكب عصرية. سواء في المضمون, او في المعالجة. وهو ما اتينا على ذكر بعضه. كاتب سوري