على بساطته.. بل على سذاجته, فقد كان اختراعا في غاية الأهمية بالنسبة لسكان الغابات والأدغال انسان ما.. وهبته فطرة الخلق العبقرية فضيلة التأمل والتعمق ولماحية الذكاء.. التقط ذات يوم غصن شجرة يابس.. قطعه نصفين وجاء بجلد حيوان عمد الى شده على فوهة من فخار.. وبهذا اصطنع هذا العبقري المجهول طبلا بسيطا إن لم يكن بدائيا.. وربما حاكاه رفاق الغابة وساكني الدغل الكثيف..، وربما أمسكوا بأغصان الشجر الجافة ودقوا بها على أديم الطبول المشدود.. ثم اصطلحوا في بينهم على أن يتفاهموا حسب شدة الدقات وخفتها, وحسب عدد الخبطات وصدى ايقاعها.. وحين باعدت بينهم المسافات وانبثوا في أرجاء الغاب البالغ الاتساع واحتاجوا الى أن يتواصلوا ويتبادلوا أخبار الأحياء والراحلين, وحكايات الزواج والميلاد والحرب والحل والترحال . ساعتها استخدموا طبولهم التي كان صدى ايقاعاتها يتردد في جنبات الدغل الكثيف مفعمة بالمعاني والأخبار ومشحونة بآلاف الدلالات.. وهكذا اخترعوا واحدة من أقدم منظومات الاعلام والاتصال.. في التاريخ.. وهي أيضا واحدة من أبسطها وأشدها فعالية وتأثيرا. ليست صدفة إذن أن يقف مؤرخو الاعلام والاتصال عند طبول الغابة (درمز) في أدغال السفاري الافريقية, أو في غابات الأمازون المطيرة أو في أحراش جنوب شرقي آسيا أو نيوزيلندا بوصفها نقطة البداية الأولى في تاريخ عملية الاتصال المفهومي المنظم للبشر.. وكأنها الجد الأعلى لعمليات الاتصال بواسطة الأقمار الاصطناعية التي تولد عنها كما أصبح معروفا الاتصا ل الشبكي اللحظي عن طريق الانترنت. واذا كان الايقاع الصوتي هو البداية الأولى لعمليات الاتصال الانساني, فقد وفق الانسان أيضا الى منظومة اتصال أكثر دواما وربما أخطر تأثيرا تجسدت في اكتشاف هل نقول اختراع الكتابة منذ نحو 5 آلاف سنة من عمر البشرية فوق كوكب الأرض الكلي الاحترام. صحيح أن اختراع الطبل البدائي في الغابة جاء ليثبت معه الانسان أنه حيوان اتصالي وأن التواصل والإعلام ومن ثم الأخبار والمعلومات هي احتياجات بشرية لاتقل في أهميتها عن احتياجات الغذاء والمأوى والكساء, من حيث أن الانسان لابد وأن يعيش في اطار جماعة تبدأ بالوحدة النواة وهي الأسرة وتنتهي بالنضج والتطور الى الجماعة الأكبر والأوسع من القبيلة الى الشعب والأمة إلا أن الصحيح أيضا أن الطبل جاء بمثابة ارتقاء في الدرجة وفي الفعالية وفي سبل التواصل للانسان بعد ما ثبت علميا من أن الحيوان شريكنا فوق كوكبنا الأرضي له بدوره احتياجات بل ومنظومات اتصال. بيد أن الكتابة جاءت لا لتنهض بدرجة الاتصال بين البشر, بل كي ترتقي بالبشر نوعيا باعتبار أن الكتابة أثبتت أن الانسان كائن له تاريخ بمعنى أنه حيوان له ذاكرة وبهذا المعنى فهو كائن قابل للتعلم واستيعاب العبرة المستفادة وتحويلها الى خبرات مكتسبة وكم كانت المسيرة وعرة والصعوبات كأداء عبر تاريخ الاتصال والاعلام في سجل البشر.. ما بين الدرمز الساذجة في الغابة وكان ذلك في مرحلة سحيقة من التاريخ يتعذر تحديدها زمنيا, وما بين اختراع الكتابة الهيروغليفيةبالصور أو المسمارية بالرموز منذ 50 قرنا. الى أن وفق الله البشرية الى الامساك بتلابيب الانترنت بكل تفاعلاتها الخطيرة في حياة انسان عصرنا في الحاضر وفي المستقبل القريب المنظور.. وكان ذلك على وجه التحديد في عام1993. وبين هاتين النقطتين قطعت البشرية مسافة حافلة بالصعوبات والانجازات والاحباطات ولكن كانت كلها في مجملها بمثابة تجليات اشرقت في سياقها مواهب البشر من علماء باحثين ومفكرين متأملين ورومانسيين حالمين.. ولا ننسى أيضا أن كان بينهم منظمو المشاريع الذين وضعوا أموالهم ووظفوا استثماراتهم من أجل تحويل نظريات العلم وأحلام الشعراء وطموحات المخترعين وشطحات الموهوبين الى حقائق فاعلة, مؤسسية فوق أرض الواقع. ومن أجل استكمال المحطات المختلفة التي اجتازتها مسيرة عمليات التواصل والاعلام والبشرية عبر تاريخها المعروف, نحسب أن من المهم لفائدة القارئ الكريم أن نعرض أمامه بايجاز شديد أبرز هذه المعالم كي تستقيم أمامه أبعاد هذه الصورة من نضالات البشرية في هذا المجال الحيوي على وجه الخصوص: سنة 1448 شهدت اختراع ماكينة الطباعة على يد الألماني يوحنا جوتنبرج. كم كانت هذه المطبعة البدائية الساذجة أيضا سببا في انزال الحرف المكتوب والمعلومة المخطوطة من السماء الى الأرض؟ كما قد نقول بمعنى أن كانت المخطوطات احتكارا مقصورا على فئات بعينها من السراة والمتنفذين ورجال (المؤسسة) الدينية لقد اكتسبت الكتابة ومن ثم القراءة الى القدرة على فك الرموز اللغوية نوعا من القداسة أو هي أضفت هذا النوع من القداسة على الفئات القليلة من القارئين والكاتبين. بعد مطبعة العبقري الألماني الأسطى جوتنبرج, أمكن أن يصدر عن المخطوط الواحد عشرات, ومن بعدها مئات النسخ.. وكانت تلك بمثابة ثورة ديمقراطية أسهمت مع مرور السنين في كسر احتكار الأثرياء والكهان للمعرفة و في ترويج المعلومات والمعارف وفي تعميق دوائر الاتصال والاعلام في المجتمع الانساني. ولم يكد يمضي سوى 40 سنة فقط لاغير على اختراع الطباعة, حتى لحقه وأضاف اليه استحداث نظام جديد للبريد على يد أسرة (ثورن وتاكسي) التي أضفت الطابع المؤسسي على عملية توصيل وتوزيع الرسائل عبر الامبراطورية الرومانية المقدسة كما كانوا يسمون بذلك الامبراطورية التي سبق الى انشائها شارعان (وكان معاصرا للخليفة السياسي العظيم هارون الرشيد). كان ذلك عام 1489 للميلاد وكان النظام البريدي المستحدث هو الجد الشرعي لنظام البوسطة الذي نعيشه بعد تطوره طبعا في هذه الأيام. ومرة أخرى تعمقت وسائل الاتصال والاعلام بعد (مأسسة) البريد وأصبحت الرسائل جزءا أساسيا من حياة الناس وخاصة المثقفين بطبيعة الحال. جاءت ولادة فن الرواية في انجلترا مثلا بوصفها أحد الأجناس الأدبية المبتكرة في القرن الثامن عشر وقد صاغها روادها ومنهم صمويل ريتشاردسون (توفي عام 1761) صاحب روايتي باميلا وكلاريسا على شكل رسائل متبادلة. لكن شقاوة الكائن البشري لاتعرف حدودا ولا طموحاته تقف عند سقف بعينه. ها هو صمويل آخر أمريكي هذه المرة ذاع اسم شهرته (مورس) يبعث في عام 1844 أول رسالة برقية في التاريخ مستخدما الموجات الكهربية ورابطا الناس في اطار شبكة سلكية سرعان ما أصبحت أيامها علامة على الحضارة وآية على معجزات الاتصال وحملت اسمها الشهير التلغراف الذي استوحوا فيه معنى الكتابة أو التسجيل من بعد اشتقاقا من لغة اليونان. بعده اخترع ألكسندر جراهام بل وسيلة التليفون عام 1876 ولم يمض سوى عقدين لاغير من الزمن حتى تطور التلغراف والهاتف السلكي الى حيث اخترع العبقري الايطالي ماركوني الاتصال اللاسلكي وكان ذلك عام 1896. ودائما يسبق الصوت الصورة. فالطبول كوسيلة اعلام واتصال سبقت شكل الكتابة والطباعة, والتلغراف والهاتف واللاسلكي ثم الراديو صراعات استخدمت الصوت سواء كان دقات (مورس) المعروفة أو كانت نبرات الصوت البشري ذاته.. وكلها كانت تمهد لنقل الصورة عبر وسيلة السوبر الخطيرة التي اصطنعوا لها من لغة اليونان مرة أخرى مصطلح الرؤية من بعد وهو التلفزيون الذي قد لايعرف الكثيرون أن أول بث مرئي عام له كان منذ عهد بعيد, إذ يرجع الى عام ,1929 والعهدة في ذلك على الأستاذة موللي أوميرا في دراسة لها عن استغلال تكنولوجيا الاعلام لصالح البيئة (منشورة في كتاب حالة العالم سنة 2000 اصدار معهد رصد العالم وورلد ووتش). عام 1945 وضعت فيه الحرب العالمية الثانية أوزارها ولكن تمكن فيه عالمنا من اختراع آلة مثل السحر خلع عليها وقتذاك اسم (إينياك) وهي أول حاسوب (كمبيوتر) رقمي, الكتروني في التاريخ. بعد ذلك بسنوات ثلاث اخترعوا راديو الترانزستور العجيب الذي جاء بشحنة جديدة مباركة من الديمقراطية كما قد نصفها. جعل رسالة الاذاعة بما تحمله من خبر وثقافة وتوعية وامتاع في متناول كل الناس على وجه التحقيق والتعميم.. يستوي في ذلك أهل الحواضر والبوادي وسكان الدواخل والثغور وفقراء الناس وموسروهم. بيد أن الباحث لابد وأن يقف عند ملمح هام في اطار رصد التطورات التي قطعتها مسيرة البشر في مضمار الاعلام والاتصال وهي: أن جل, إن لم يكن كل, الاضافات والتطويرات التي تم استحداثها أو اضفاؤها في هذا المجال كانت ترتبط بالذات بتطوير الحاسوب الكمبيوتر سواء بجعله أداة شخصية تصاحب الفرد في حياته اليومية وتتفاعل مع مشكلاته وقضاياه أو يجعل الحاسوب عضوا في شبكة قومية, ومن ثم عالمية بل نقول كونية أو كوكبية خاصة بعد أن توصل الذهن البشري الى تطوير اتصالات الأقمار الفضائية الكونية أو الكوكبية بدورها. من هنا يصف مؤرخو الاعلام سنة 1969 بالذات لا تنسى أنها موعد نزول أول انسان على سطح القمر بأنها سنة الزواج المبارك السعيد بين الكمبيوتر وبين شبكة الاتصال الالكترونية, الأمر الذي أتاح ارسال أول رسالة بريد الكتروني (أي ـ ميل) في التاريخ في عام 1971 وبعدها انتظرت البشرية 20 عاما لكي يتوصل المختبر الأوروبي للفيزياء الى شبكة الويب العالمية عام 1990 ومن ثم تهيأ المجال ونضجت الظروف لنصب وتشغيل شبكة الانترنت العالمية أيضا, وكان ذلك عام 1993 كما أسلفنا في مستهل هذا الحديث. كاتب سياسي من مصر