مع بدء العد التنازلي لموعد الانتخابات الرئاسية في الولايات المتحدة اشتد الصراع بين المرشحين الاوفر حظا, جورج بوش الابن مرشح الحزب الجمهوري وآل جور مرشح الحزب الديمقراطي, اذ يطرح كل منهما اوراقه الانتخابية في معركة السباق الى البيت الابيض. ومن المؤسف ان كل مناسبة انتخابية في الولايات المتحدة تتحول الى حملة مزايدات ساخنة ورخيصة من اجل جذب اصوات الناخبين اليهود وتقديم اقصى ما يمكن من وعود وعهود لاسرائيل بضمان تفوقها وامنها بل وحتى تحقيق امانيها السياسية على حساب العرب وحقوقهم, واللافت في الانتخابات الرئاسية الحالية هو تحول مدينة القدس المحتلة الى موضوع للمزايدة الانتخابية اذ وعد بوش الابن بنقل السفارة الامريكية من تل ابيب الى القدس فور فوزه في الانتخابات فيما تجاوز جور ذلك واتخذ خطوة غير مسبوقة في التاريخ الامريكي عندما اختار جوزيف ليبرمان مرشحا لنيابة الرئاسة وهو اليهودي المحافظ المعروف بولائه الكبير لاسرائيل وبعدائه للعرب والمسلمين. في طريقه الى البيت الابيض اطلق بوش الابن مجموعة من الخطوط العريضة لبرنامجه الانتخابي الذي ركز على تطوير القدرات العسكرية الامريكية ونشر النظام الصاروخي الدفاعي المضاد للصواريخ بغض النظر عن معاهدات نزع التسلح التي وصفها بالباليه, وفي الوقت نفسه يحاول بوش ونائبه ديك تشيني الغمز من قناة الديمقراطيين بالتأكيد على ان الادارة الجديدة ستعيد النزاهة الى البيت الابيض وان الجميع تعب من الروتين الذي فرضته ادارة كلينتون ـ جور وان الوقت حان لرحيلها والقول ان جور يظهر كظل لكلينتون حيث يصعب تصوره في قمة الادارة دون الاخير, وعليه فإن تسلمه الرئاسة لن يغير من شيء في الوضع الامريكي وان بوش الابن هو الاقدر على اصلاح ما تم افساده وادارة البلاد وقيادته بالاقناع وليس بالحسابات. وبالرغم من ان الديمقراطيين يقولون ان بوش ليس لديه اهتمام بالسياسة الخارجية والقدرة على تحديد اولويات هذه السياسة فإن بوش احاط نفسه بفريق من الخبراء المتمرسين في هذا المجال من امثال ديك تشيني وكولن باول حيث سبق وان عمل هذا الفريق مع والده جورج بوش الاب بين اعوام 1988 ـ 1992 وقد وصف هذا الفريق بأنه واقعي وليس متعصب لايديولوجيات معينة. في المقابل فإن فريق آل جور يعد فريقا ايديولوجيا اشتهر بتأييده لاسرائيل ودعمها وبمواقف تدخلية ضد العراق ويوغسلافيا وايران, فأغلب عناصر فريق آل جور والمقربين منه هم يهود واختياره لجوزيف ليبرمان نائبا له جاء منسجما مع النسبة الكبيرة لليهود في الادارة الديمقراطية, ففضلا عن وجود 11 عضوا يهوديا في مجلس الشيوخ يشغل اليهود في الادارة الديمقراطية الحالية اعلى اربعة مناصب داخل الحكومة, حيث معظم الشخصيات المعنية بملف الشرق الاوسط سواء في مجلسي الشيوخ والنواب او في مجلس الامن القومي يهودية مع العلم ان نسبة اليهود في الولايات المتحدة لا تزيد الا قليلا على 2 بالمئة من مجموع السكان في حين يزيد نسبة المسلمين عن نسبة اليهود بقليل الا ان الوصول الى القمة السياسية صعب المنال بالنسبة لهم حيث لا تكتفي منظمات (الايباك) الصهيونية التي تشكل اخطبوطا يسيطر على مراكز صنع القرار وقوة ضاربة ذات نفوذ مالي وسياسي واعلامي واجتماعي واقتصادي كبير داخل الولايات المتحدة بتحويل السياسة الامريكية لصالح اسرائيل بل واقصاء المسلمين من الادارات المهمة ومنع استلامهم مناصب حساسة. ومع ان اختيار آل جور ليبرمان نائبا له ادى الى تقليص الفارق الى حد كبير بينه وبين منافسه بوش الابن الا ان هذا لا يعني ان جور سيكسب اصوات تيار الوسط من المستقلين او الاشتراكيين اليساريين (طريق الثالث) بزعامة رالف نادر اللبناني الاصل وكذلك حزب الاصلاح اليميني بزعامة بات بوكانان حيث غالبا ما يشكل هذا التيار (الوسط) النقطة الرابحة في الصراع بين الجمهوريين والديمقراطيين في الانتخابات الرئاسية, فعلى سبيل مثال يمكن لـ رالف نادر الذي تعطيه استطلاعات الرأي نسبة اكثر من خمسة بالمئة من الاصوات وعشرة بالمئة في ولاية كاليفورنيا ان يقدم عدة ولايات خصوصا كاليفورنيا وميتشيجان (هدية) الى بوش الابن وينتزعها من آل جور اذا ما نجح بوش الابن في مد الجسور مع برنامج نادر الذي يعارض بشدة سياسات الديمقراطيين في مجال الضمان الصحي والقيم التي فرضتها الشركات الكبرى, وفي مواجهة هذا الاحتمال فإن آل جور سيركز في حملته على دور (الايباك) في جذب اصوات المستقلين والاشتراكيين واليمينيين, ومع سعي (الايباك) الى تحويل هذه الانتخابات الى فرصة ذهبية لانتزاع اقصى ما يمكن من الغنائم والعهود لاسرائيل فإنها ستعمل ليس من اجل فوز جور فقط بل من اجل اختيار حكام الولايات المتحدة الخمسين واعضاء الكونجرس وعمد المدن وتعيين كبار المسئولين في وزارات الخارجية والدفاع وكذلك مجلس الامن القومي والبيت الابيض, وهو الامر الذي قد يدفع ببوش الابن الى المزايدة في قطع الوعود لاسرائيل سواء للحد من دعم الناخب اليهودي لـ جور او حتى لكسب اصواتهم, وهكذا تتحول الديمقراطية في الانتخابات الامريكية الى آلية لضمان التأييد لاسرائيل ودعمها على حساب الحقوق العربية, فبرنامج المرشح الديمقراطي يتلخص بما قاله امام الايباك: (ان مصالح اسرائيل وامنها هي من مصالح امريكا وامنها.. اننا نضمن تفوق اسرائيل النوعي على كل جيرانها وحقها في ضمان الامن الذي تراه مناسبا وحقها في التفاوض مع سوريا ولبنان والفلسطينيين دون شروط مسبقة) اما بوش الابن فقد اطلق تعهدا صارما بنقل مقر السفارة الامريكية من تل ابيب الى القدس المحتلة فور انتخابه رئيسا بل والى حد القول ان الادارة الديمقراطية تدخلت في شئون اسرائيل الداخلية عندما دعمت باراك ضد نتانياهو متهما هذه الادارة بالاضرار باسرائيل!! وذلك في اشارة الى انه سيكون اكثر استجابة من الديمقراطيين لمطالب المتطرفين اليهود. خلاصة القول ان آل جور وبوش الابن متفقان من حيث المبدأ على الثوابت السياسية الامريكية بخصوص تأييد اسرائيل وتأمين الدعم المتنوع لها بغية الحفاظ على تفوقها وبالتالي الاتفاق على عدم اخذ المصالح والحقوق العربية بعين الاعتبار حتى لو كانت هذه الحقوق من نوع المقدسات التاريخية كمدينة القدس وغيرها, وما يظهر حاليا من اختلافات بين الاثنين في التصريحات انما ناتجه عن اسلوب كل واحد في ادارة المعركة الانتخابية التي تشتد مع اقتراب موعدها هل هذا يعني ان الوصول الى البيت الابيض لم يعد ممكنا الا عبر البوابة الصهيونية؟ وانطلاقا من هذا السؤال كيف سيكون شكل الرعاية الامريكية في ظل الادارة المقبلة لعملية السلام في الشرق الاوسط؟ في الواقع ان ما يصرح به المتنافسون للفوز بالادارة المقبلة يعيد الى الاذهان وعد بلفور في بداية القرن الماضي, فالطرفان يعدان اسرائيل بالعطاء الجزيل وتطبيق قرار الكونجرس عام 1997 القاضي بنقل السفارة الامريكية الى القدس المحتلة في وقت تسعى اسرائيل فيه الى حسم موضوع سيادتها على القدس وانتزاعها من الفلسطينيين والعرب والمسلمين في اطار مفاوضات الوضع النهائي مع السلطة الفلسطينية وبشكل مخالف لقرارات الشرعية الدولية بخصوص مدينة القدس. ولعل هذا الواقع المر والصعب يدفع بالمرء الى القول الى متى سيبقى العرب دون مبادرة توحد كلمتهم وموقفهم وعملهم حيال القضايا المصيرية وتجعل من الاخرين يأخذون بعين الاعتبار المصالح العربية؟ ان الاستحقاقات باتت مصيرية ولم تعد تقبل الانتظار او التأجيل. * كاتب سوري