بعد ما يقارب اربعين يوما في الخرطوم قضيتها بين الاسواق والمآتم والافراح وجلسات الأنس الخاصة وزيارات الى من اعرف من السياسيين الحكوميين والمعارضين على حد سواء, استطيع الآن بعد العودة ان اقول ان الانطباع النهائي الذي تبلور في ذهني يتكون من عنصرين: اولا. ان هناك شعورا سائدا من الضجر والتذمر تجاه اوضاع المعيشة اليومية من ناحية وتجاه مسرح الاحداث السياسية من ناحية اخرى. ثانيا, ليس هناك اي احد لديه تصور محدد لأي وضع مستقبلي منشود. مثل هذا الانطباع الثنائي لا يرد الا على خاطر المغترب السوداني الذي يعود الى البلاد من سنة الى اخرى حيث يرى الناس والاشياء بعين المقارنة من خلال صورة بانورامية لا تتوافر للمواطن السوداني غير المغترب.. المستغرق في تفاصيل الحياة اليومية. ومن ابرز ما لحظته في ملامح الصورة البانورامية الاخيرة فيما يتعلق بالوضع المعيشي شيئان مرتبطان عضويا: بالمقارنة مع السنة الماضية لاحظت ثباتا عاما في اسعار السوق الاستهلاكية مما يؤشر الى تقلص ملحوظ في معدل الانفلات التضخمي ـ ذلك الانفلات الذي ترجع بداية انطلاقه منذ اواخر السبعينيات في عهد الرئيس نميري ولاحظت ايضا ثبات سعر صرف الجنيه السوداني مقابل الدولار الامريكي للسنة الثانية على التوالي وذلك ايضا للمرة الاولى منذ بداية مشوار تدهور قيمة الجنيه في عام 1978. ليس معنى هذا انه حدثت نقلة نوعية انفراجية في الوضع المعيشي لقطاعات المجتمع. فالفجوة الاسطورية بين متوسط الدخول لمعظم السودانيين ومتطلبات الحد الادنى للانفاق الضروري لا تزال قائمة. وسعر صرف الدولار مقابل الجنيه لا يزال يتكون من اربعة ارقام بالمقارنة مع الماضي البعيد حين كان الجنيه الواحد حتى منتصف السبعينيات يعادل ثلاثة دولارات امريكية. ما جرى هو توقف للنزيف لجرح.. رغم ان الجرح لا يزال بالغ الخطورة. وبالأحرى ان شئنا الدقة فهو تباطؤ في مسار التدهور بقدر ضئيل نسبيا لا يكاد يدركه المواطن السوداني العادي لكن تلحظه عين المغترب العائد من عام لعام. والسؤال ما هو سبب هذا التحسن النسبي؟ لقد سبق ان كتبت في هذا الباب عن التأثيرات الايجابية المحتملة للنفط السوداني على مجمل اوضاع الاقتصاد الوطني من حيث الاكتفاء الذاتي للبلاد من الوقود من ناحية ومن حيث عائد صادرات النفط الخام الى الاسواق العالمية. وخلال الاربعين يوما التي قضيتها في الخرطوم صارت الصورة عندي اكثر وضوحا وتفصيلا. توفير ما كان ينفق على استيراد البنزين والديزل بالنقد الاجنبي, اضافة الى نصيب الحكومة من عائدات التصدير النفطي بالعملة الصعبة هو الذي يفسر لنا ظاهرة ثبات سعر صرف الجنيه, وبالتالي الثبات النسبي لأسعار السلع والخدمات في سوق الاستهلاك المحلية. وابرز المظاهر المباشرة التي لا تخطئها العين لهذا التحسن النسبي تتجلى في قطاع المواصلات العامة. حتى العام الماضي كانت اسواق الخرطوم تغلق بحلول المغرب والشوارع الرئيسية تخلو من المارة بحلول التاسعة مساء. اما الآن فإنه بسبب استمرار وسائل المواصلات العامة من حافلات وباصات و(ركشه) في العمل المتصل فإن حركة البيع والشراء في الاسواق تتواصل حتى الحادية عشرة والمطاعم الشعبية حتى منتصف الليل. ولا يمكن تفسير هذه الظاهرة الا بحقيقة واحدة.. هي توفر البنزين والديزل بصورة مستديمة مع ثبات اسعارهما. وقد رأيت محطات الوقود تعمل نهارا وليلا.. وبعضها على مدار الساعة. مع ذلك يبقى سؤال قلق: هل هذه المبشرات الاقتصادية مبشرات فعلا؟ هل هذا التحسن النسبي مؤشر لانطلاقه على طريق الانفراج الاقتصادي الشامل.. ام ان هناك معوقات سالبة؟