يقول الاقتصاديون الامريكان اليوم ما كان يقوله اجدادهم في العشرينيات ولكن مع اختلاف طفيف. لقد كان روزفلت وروكفلر يقولان: (ما هو صالح لشركة جنرال موتورز يعتبر صالحا لامريكا) . واصبح الجيل الجديد من المستثمرين ـ والسياسيين ـ يقولون في صيف 2000: (ما هو صالح للدولار يعتبر صالحا للعالم بأسره...) وبالفعل سجل يوم الاربعاء 9 اغسطس 2000 هبوطا للعملة الاوروبية اليورو مقابل الدولار, بعد ان كانت تعادله يوم ميلادها في 1 يناير 1999, في حين ظل الين الياباني مستقرا. فالعملة اليابانية ألصق بالدولار كما ان الاقتصاد الياباني لا يعرف نسب التضخم الموجودة في دول اوروبا. بينما سجل الاقتصاد الامريكي نسبة نمو قدرها 5.3 ويتحول الاقتصاد القوي في امريكا الى قلب اللعبة وقلب التحدي في الانتخابات الامريكية الرئاسية. وبالطبع فإن وضعا كهذا ينعكس على اقتصادات العالم كله شئنا ام ابينا, ومن ناحية اوروبا فقد احدث هذا الوضع خللا عميقا في المبادلات التجارية بين ضفتي المحيط الاطلسي على كل الاصعدة. ويبقى الجنيه الاسترليني ومن ورائه الاقتصاد البريطاني هو الوحيد الواقف بإزاء الدولار ويبدو ان العاصفة الاخيرة لم تنقص من قيمته بل زادت البريطانيين ثقة في عملتهم كما زادتهم حيطة من سيادة اليورو. وقد سألت الخبير المالي الفرنسي جابريال فرانسوا عن رأيه في هبوط اليورو فقال لي: (ان هذه الظاهرة نتيجة عوامل ثلاثة هي في الواقع سوء تقدير اصلي منذ سنوات. العامل الاول كان اصرار البنك المركزي الاوروبي منذ عام 97 على ان يكون اليورو معادلا للدولار في القيمة الصرفية والمصرفية والعامل الثاني الاعتقاد بأن الدولار السائد منذ نهاية الحرب العالمية الثانية يمكن ان يعزل عن عرشه بسهولة ليحل محل جزء منه اليورو في المبادلات التجارية الدولية, وهو اعتقاد خاطىء لأن العادات الاقتصادية لا تمحى بسهولة وهذه مسألة سوف تأخذ اجيالا اخرى وخاصة مع اندماج اقتصادات العالم الثالث في مدار العولمة... بالدولار وليس بعملة اخرى. اما العامل الثالث والاخير فهو الخوف من التخفيض من قيمة اليورو, وهو خوف لا مبرر له لأن قيمة اليورو الحقيقية هي بالفعل 80 بالمئة من الدولار وستظل تدور حول هذه النسبة لمدة سنوات مقبلة. ويعتقد الخبير جابريال فرانسوا (انه لا خوف على اليورو اذا تخلص من عقدة العظمة الاوروبية) . نعم عقدة العظمة الاوروبية التي تؤسس الاسطورة في مواجهة الواقع. والواقع هو انتعاش كبير للاقتصاد الامريكي الذي هو قلب العولمة امام اقتصادات اوروبية خائفة ومترددة بل واحيانا متصارعة. فالمزارعون الفرنسيون على سبيل المثال يرفضون مزاحمة الانتاج الزراعي الاسباني والايطالي, ونعيش هذه الايام مظاهرات عنيفة للنقابات الزراعية الفرنسية ضد الخوخ الاسباني والعنب الايطالي والتفاح البرتغالي. وهي مظاهرات ضد روح اتفاقيات الوحدة الاوروبية ومقتضياتها. وعقدة العظمة الاوروبية تعرقل مجهودات الحكومات الاوروبية في الافادة من العولمة وانفتاح الحدود. كل هذه العوامل ـ الاقتصادية والاجتماعية والنفسية ـ تجعل اليورو منكمشا ازاء الدولار وتجعل بالتالي العملة الخضراء اكثر قوة وانتشارا في اسواق العالم. والسؤال هو كيف يكسب الاتحاد الاوروبي معركة النوعية والمستوى الرفيع لمنتجاته دون ان يفقد معركة المزاحمة الدولية؟ فأوروبا لا تزال تؤمن بأن الزراعة الامريكية تعتمد على الانواع المعدلة وراثيا بينما أوروبا تسن القوانين لمنع هذه المنتجات وتسعى نحو الانتاج الطبيعي. استاذ بقسم الاعلام ـ جامعة قطر