مضى عقد كامل من السنين على الحصار الدولي الشامل المضروب حول النظام العراقي شكلا والشعب العراقي موضوعا. وبهذه المناسبة بات من المؤكد لدى معارضي السياسة الأمريكية العراقية وبعض مؤيديها فشل مدخل الحصار في إسقاط نظام بغداد. خلال هذه الفترة الممتدة, فقدت السياسة الأمريكية نفرا من أكثر المحسوبين على عداوة صدام حسين ونظامه, بما في ذلك رموز مهمة شاركت في مراقبة نزع الأسلحة العراقية. فبالنظر الى يقين هؤلاء في عدم جدوى الحصار ومعرفتهم بتحقيق أهداف مقررات الأمم المتحدة, التي لاتتضمن أصلا قضية إسقاط النظام العراقي, تولدت لديهم قناعة بأنهم بصدد أجندة أمريكية غير معلنة لا أخلاقية ولا مشروعة إزاء العراق. وكان من الحمق أن يستمر هؤلاء كأدوات تحركها واشنطن لتنفيذ هذه الأجندة. والواقع أن لفت نظر واشنطن الى فساد سياستها العراقية, وخطأ نظرية إسقاط نظام بغداد من مدخل التضييق على الشعب العراقي, وكذا تذكير المسئولين الأمريكيين بدورهم في إهدار حقوق الانسان الأساسية بالنسبة لهذا الشعب.. هذا كله لم يحرف واشنطن عن منهجيتها, ولا حرك ساكنا لديها, ويبدو هذا الجمود على خيار واحد محيرا بالفعل. فالمنطق يدعو صاحب أية سياسة أثبتت عدم جدواها الى البحث عن بدائل أخرى, الأمر الذي استنكفت عنه واشنطن تماما. ان استمرارية واشنطن على سياسة لن تحقق أهدافها تحتاج الى تفسير. وفي هذا السياق, علينا إستبعاد فكرة السذاجة والغباء كمبرر. إذ كيف لايدرك الأمريكيون مدى فجاعة أداة الحصار الاقتصادي, وهم كانوا ومازالوا أكثر من مارسها واعتمد عليها في التعامل الدولي.. من كوريا الشمالية شرقا الى كوبا غربا؟.. إنهم بحسب الخبرة المتراكمة لايحتاجون الى من يتلو عليهم دروسا حول فعالية هذه الاداة. تقديرنا أن واشنطن تمضي في حصارها للعراق, الشعب والنظام, عن إصرار ودراية كاملة بتداعيات هذا السلوك على الشعب العراقي.. وأنها ليست بحاجة لمن يحرك رشدها الإنساني إزاء فعلتها هذه, كل ما في الأمر, أن الذين يدينون واشنطن باللاواقعية وإدارة سياسة فاشلة, إنما ينطلقون من تقدير غير صحيح, أو غير دقيق, لأهدافها الحقيقية, إنهم يحكمون على السياسة الأمريكية بالفشل, طالما تصوروا أن هدفها منها هو إسقاط النظام العراقي أساسا. وهذا هو موضع الخلل. ففي حقيقة الأمر, وبقدر أكبر من التروي والعمق, تظهر السياسة الأمريكية العراقية أكثر اتساقا مع أهداف أخرى, غير معلنة, فما دامت هذه السياسة تصدر عن عقل لم تختلط عليه الأمور, لابد من وضع الافتراض القائل بوجود هذه الأهداف الخفية, والبحث عنها. هذا الافتراض ينسجم تماما مع فقه العلاقات الدولية. فمن المعروف نظريا أن الدول تقسم أهدافها بين معلنة وغير معلنة. وغالبا ما يتعلق الإخفاء والتمويه بالنوايا والطموحات اللا أخلاقية من حيث الشكل أو المضمون.. تلك التي إن أعلنها صاحبها, جلبت إليه اللوم ووضعته قيد الاتهام بمخالفة الشرعية الدولية وأخلاقيات الإنسانية المتمدنة. هذه النواحي الفقهية, تسمح بتصور وجود أهداف أمريكية أو أنجلوساكسونية أو غربية عامة قبيحة لايمكن الافصاح عنها تجاه الحالة العراقية. وهناك مؤشرات موضوعية تدعم هذا التصور وتعززه. تحاور هذه الأهداف حول الإحاطة بالشعب العراقي بالمعنى الحضاري الشامل. السياسة الأمريكية ومن يوالونها تسعى بهذا المعنى (المنظور) الى اعاقة التطور التقني والبشري الذي بلغه العراقيون, وتجتهد لاعادتهم أو الانتكاس بهم الى نقطة بداية آمنة بالنسبة للهيمنة الأمريكية (الغربية) وحليفها الكيان الصهيوني (اسرائيل) في هذه المنطقة من العالم. هذا الهدف لايتحقق بمحض ازاحة النظام العراقي ولا بأي تغير في النسق السياسي الحاكم في بغداد فالتحولات النظامية السياسية لا يستتبعها بالضرورة تحولات في معدل الصعود الحضاري.. ومن المعلوم أن بعض أكثر النظم ديكتاتورية وشمولية تمكنت من الارتقاء بشعوبها على سلم التقدم التقني. وتفهم السياسة الأمريكية (ومحازبوها) أن بنية التطور العراقي لاتستأصل إلا بالضرب عند الأسس والجذور.. ولو كان النظام العراقي وحده هو المطلوب, لتحرت واشنطن وحلفاؤها بدائل أكثر نجاعة من أسلوب الأرض المحروقة الذي يتبعونه منذ عشر سنوات. ولكن هل اقتربت واشنطن من تحقيق هدفها الخفي هذا خلال العقد الماضي؟ سؤال تصعب الاجابة عنه بالايجاب أو النفي.. غير أن المعلومات تتحدث عن إنحدار أكثر من 22 مليون عراقي نحو أكثر التصورات بؤسا, من حيث نسب الوفيات والأحوال الصحية والتعليمية ومستويات الدخل والمعيشة والفقر وفرص العمل والجنوح الأخلاقي والعقلي.. ومع ذلك, ترى واشنطن أن هذه الأوضاع التي لا تقرها قوانين الحرب أو السلام (تعد ثمنا معقولا للإطاحة بالنظام الحاكم في بغداد). تموه واشنطن بهذا التحليل السخيف على هدفها الحقيقي. وهو تعجيز الشعب العراقي.. هي تزعم قهر النظام العراقي لشعبه, فيما تحاصر هي هذا الشعب من الخارج وتطلب من هذا الشعب إجتراح معجزة التخلص من هذا النظام, فكيف تستقيم مثل هذه المعادلة؟.. كيف يتأتى لشعب يفترض أنه مغلول في الداخل ومطوق من الخارج, إتيان فعل إنقلابي جبار ضد نظام (بالغ القوة والسيطرة)؟. ربما وصف إفتراض الرهان الأمريكي على (العقل العراقي) بالغلو والمبالغة. لكنه إفتراض يبدو معقولا. فعشر سنوات من الحصار المرير, لابد أنها فعلت فعلها في إحداث قطيعة معرفية (حضارية ـ ثقافية) في هذا العقل. وتقديرنا أن قطيعة كهذه تلحق بالتداعي ضررا فادحا بالأمة العربية كلها. ولأن نظرية الصراع الحضاري نشأت في الغرب وتم التأصيل لها في الولايات المتحدة بالذات, فلا بأس في الادعاء بأنها تمثل بطانة الأجندة الأمريكية تجاه العراق. * كاتب فلسطيني ـ القاهرة