في الاسبوع الاول من اغسطس الجاري, انتعشت الفضائيات العربية على حساب الكويت, لأن الزمن هو زمن تذكر مرور عشر سنوات على الغزو العراقي على دولة الكويت, ولأن الموضوع ساخن يجلب المشاهدين من كل الاصقاع, ومعظمهم ينظر الى الوضع الحالي في العراق على انه سبب وليس نتيجة. في ذلك الجو المشحون بالكثير من العواطف والقليل من الموضوعية لم يتسن مناقشة الموضوعات المطروحة مناقشة عادلة, لأنه اساسا لم يكن مطروحا للمناقشة الموضوعية, فقط كان لتسجيل مواقف, انها وجبة اعلامية دسمة للفضائيات المتناثرة والمتسابقة على لفت نظر المشاهد. لقد شارك مجموعة من الكويتيين في هذه المساجلات, شهدت منهم الاخوة احمد الربعي وجاسم السعدون ومحمد الصقر وعبدالله النيباري والاخت معصومة مبارك (مع حفظ الألقاب), ولعل كثيرين مثلي قد شاهدوا بعضا او جزءا من تلك اللقاءات التي كان بعضها مطولا وبعضها قصيرا, وكان بعضها سياسيا مباشرا, وبعضها يلج للسياسة من ابواب اخرى. نصف الحقيقة لقد بدأ افتتاح تلك المناقشات بلقاء قصير ومركز لمحطة تلفزيون الشرق الاوسط mbc اللندنية بالشيخ صباح الاحمد الجابر النائب الاول لرئيس مجلس الوزراء ووزير الخارجية. ذلك اللقاء كان اطلالة سياسية على ما تم وما يجب ان يكون, ولأنه لقاء مباشر فلم تتخلله تلك الشحنة من الانفعال التي صاحبت المشاهدين في اللقاءات الاخرى, لأنها كانت جماعية اشترك فيها اكثر من رأي وعنصر وهي محط بعض الملاحظات التي اوجزها في ارب: الملاحظة الاولى: الاخوة المشاركون في تلك اللقاءات اتسمت مشاركتهم بالايجابية والشجاعة فقد قالوا ما لهم وما عليهم, ما هو صحيح وما هو خطأ, وكانوا اكثر انفتاحا من غيرهم بشكل عام وربما اكثر موضوعية, وذلك يحسب للجو العام الذي يعيش فيه الفرد الكويتي من حرية ابداء رأي وتحمل مسئولية. الملاحظة الثانية: ان العديد من المشاركين خاصة الاخوة العرب ينقصهم الكثير, وانا اعني ما اقول بالكثير من المعلومات الصحيحة الخاصة بالموضوع, او انهم ـ ان احسنا الظن ـ قد ادلوا بنصف الحقيقة, وكان ذكر انصاف الحقائق التي طرحت على الطاولة مثيرا لأن المطلع يعرف عكسها, مثل الحديث حول ما يجب ان يحدث في العراق اليوم ومقارنته بما حدث لألمانيا بعد الحرب العالمية الثانية من اعادة تأهيل للانضمام الى الحظيرة الدولية. والمقارنة مختلفة, فهناك انهزم هتلر, وانتحر, وخرجت ألمانيا بثوب جديد, فعادت الى اوروبا وعادت اليها اوروبا تحت شروط عدم تكرار الفعل وتقييد في التسلح ظل الى يومنا هذا, اما العراق فما زال تحت حكم طاغية متجبر قد يعود الى تكرار افعاله في اي وقت ولا يزال يهدد بها, ومثل ذلك قيل الكثير, وطرح على مسامع المشاهدين دون تمحيص او تدبر. وكان بعض المناقشين مشوشا في الافكار نتيجة ـ ربما ـ لتشوش في المعلومات, فقد كان بعض الحديث عن الوجود الامريكي في المنطقة, وان سبب ذلك يعود الى الخليجيين وربما اهل الكويت, وفي هذا الامر هناك حقائق غير خافية عن المتابع منها ان المشاركة الامريكية تكاد تكون في كل مكان من بلادنا العربية اليوم وفي كل زاوية فهي تشارك في مناورات مع جيوش عربية كبيرة, وهي تشارك في سيناء حفاظا على سلام مع اسرائيل, وهي تشارك الفلسطينيين في كل خطوة, بل ومشاركة مقبولة ومرحب بها, هذا من جهة, ومن جهة ثانية فإن الدعوة التي وجهت الى دول العالم في سنة 1990 لكي تأتي بقواتها الى الخليج من اجل تحرير الكويت, هي دعوة عربية, بمعنى ان قرارها اتخذ في القمة العربية في العاشر من اغسطس المشئوم في ذلك العام. واذا تجاوزنا كل ذلك, فإن تاريخنا الحديث يروي لنا عددا من المساعدات الغربية العسكرية, كما حدث في لبنان سنة 1956 والاردن سنة 1957, وبعد ذلك في مصر سنة 1968, فقد نزلت قوات امريكية في بيروت وقوات بريطانية في عمان وحمى سلاح الطيران السوفييتي سماء مصر في مرحلة حرجة بعد هزيمة 1967. كل تلك الحقائق التاريخية التي لا يختلف عليها اثنان كانت ولا تزال تمارس تحت مظلة الحماية الوطنية, فمن حق الوطن والمواطنين ان يستعينوا بمن يعينهم لدرء قوة عاتية, في غياب تكاتف عربي فاعل وليس انشائيا, قادر على القرار وليس خطابيا. ولو افترضنا ان قمة العاشر من اغسطس العربية التي عقدت في القاهرة خرجت باجماع وليس ـ اغلبية ـ كما تم بالفعل ـ وكان هذا الاجماع لادانة ما فعله النظام العراقي والمطالبة الواضحة بتراجعه, دون ان تكون للادانة تلك اسنان قادرة على الفعل, فلن يتراجع نظام صدام حسين عما اقترفه من اثم وعدوان, لأنه لا يعرف لغة المنطق, ولو انتظر بعض المتحاورين اياما قليلة لوجدوا في خطاب صدام حسين الاخير الدليل بعد الألف على ولوغه في الظلمات, فقد هدد وتوعد وازبد, وهنا نعرف انه لا يستقيم الظل والعود اعوج, فعود النظام العراقي بني على اعوجاج وسيظل كذلك. السؤال الملح الملاحظة الثالثة: ان النقاش الذي تم في الجزيرة بين عبدالله النيباري وعبدالرزاق الهاشمي لاحظ المشاهد لها ان الاخير يقدم له بعض القصاصات الورقية والارقام بين فترة واخرى, وكأن هناك لجنة للمساعدة في النقاش الدائر, ساعدته على اعتساف الحقيقة, وتبرير او نفي بعض التصريحات, كما لاحظ المشاهد من جهة اخرى ان الاستاذ عماد الدين اديب قد ادخل ضمن المناقشة بعض التسجيلات القديمة لمحمد سعيد الصحاف وزير الخارجية العراقي, والاستاذ حسنين هيكل, دون العودة لوجهات نظر اخرى توازن ما طرح من التسجيلات المتوافرة للاستاذ عماد الدين اديب وهي كثيرة مما سجل في السابق, تدلل على بعض وجهات النظر المخالفة لما طرحه الاثنان. الملاحظة الرابعة والاخيرة هي التي تأخذنا الى سؤال من هنا الى اين؟ لقد شارك مسئولون في مواقع مختلفة من القرار الكويتي في تلك اللقاءات والمناقشات وتبين لهم كما تبين لمعظمنا كم هي طويلة وقاسية معركة قلب الحقائق والنظر الى الامور بمنظار التحيز من فئة من المفترض نظريا ان تكون مطلعة على الحقائق وبعيدة عن اتباع العامة او ارضائهم وغير ما قدمه الاستاذ رضا الفيلي من برنامج مميز على قلة الامكانات وقصر المدة المتاحة, وكان تحت عنوان (ما لم يرو) في الفضائية الكويتية, غير ذلك, كنا كأسرى الاعلام في الفضائيات العربية في مطلع الشهر الموسمي اغسطس, التي كان وقود المعركة فيها العنصر الكويتي وبخورها يتلذذ باستنشاقه المدافعون عن الطغيان. علينا ان نعترف لأنفسنا قبل الآخرين بأن هناك تركيبة ثقافية سياسية في ذهن الكثير من العرب بنيت على اسس ايديولوجية هي التي كانت ولا تزال تقبل دون تمحيص اطروحات النظام العراقي, ودون مناقشة هذه التركيبة سنظل في معركة لا نعرف نوع اسلحتها. ذهنية مغلوطة وللتدليل فقط على نوع تلك التركيبة الذهنية انقل من كتاب صدر حديثا للاستاذ محسن العيني الدبلوماسي والسياسي اليمني المعروف وهو بعنوان (خمسون عاما في الرمال المتحركة) ومن الفصل الذي يتحدث فيه عن احتلال الكويت, يقول ما معناه انه شرح للجهات الامريكية (وكان سفيرا لليمن في واشنطن) الموقف العربي من احتلال العراق للكويت كالتالي: (لقد اكتشف النفط في اليمن سنة 1985 واعتقد شيوخ المنطقة التي ظهر فيها النفط انه لهم, وقلت لو مر احد الضباط البريطانيين في الثلاثينيات بمأرب ـ التي ظهر فيها النفط ـ فقد يكون قد تمت مراسلات بين الضابط والشيوخ, ثم حصل الشيوخ على علم وحماية ثم يمرون علينا في صنعاء او عدن ليبنوا مسجدا وهذا فضل منهم), ثم يتابع (ان وضع الدويلات والدول في الجزيرة العربية لا يختلف عن وضع مأرب ومشايخ مأرب). رغم تعاطف الاستاذ العيني في اماكن اخرى, الا انه يضرب المثل ويستطرد في السرد, وذلك نتيجة تركيبة ثقافية وذهنية تغذى عليها كثيرون, فدول الخليج ليست اكثر من بئر نفط في نظرهم! وفي مجال آخر, نجد البعض عند الحديث عن اي قضية عربية تثار سرعان ما يقارن بينها وبين ما حدث في الكويت, فعبدالرحمن الراشد وهو صديق ومدافع صلب عن الحق انزلق للمقاومة بين دفع تعويضات للمتضررين في الكويت وتعويضات اسرائيلية للجنوب, وكأن الاثنين شيء واحد, كما انزلق ادوارد سعيد في المقارنة بين الكويتيين والفلسطينيين للمطالبة بتعويض من اسرائيل لهم. والاثنان يستخدمان النموذج الكويتي استخداما خاطئا. ما اريد ان اشير اليه هو ان هناك الكثير من الجهد الاعلامي والسياسي الذي يجب ان يبذل لتعديل الذهنية الهيكلية السياسية القائم عليها بعض المقولات العربية تجاه الكويت. ولكن عندما تتلهى الشعوب بالقضايا الصغيرة وتلتفت الى الهامشي من الامور, فإنها تؤخذ على غرة من أمرها, ولعل الدرس الاهم وربما الوحيد الذي يمكن ان يخرج به عاقل من حفلة الفضائيات العربية في الاسبوع الاول من شهر اغسطس الحالي والخاصة بالاحتلال, هو ان نعيد ترتيب خطابنا الاعلامي الذي وجب ان يعتمد على اساسين: الاول الارتفاع الى مصاف المسئولية بالترفع عن خوض المعارك الصغيرة داخليا, والثاني هو وضع تصور عقلاني ومؤسسي لخطاب اعلامي راشد وقائم على المعرفة بالنفس وبالآخر. أمين عام المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب ـ الكويت