مما لا شك فيه ان القدس الشريف, كانت منذ بداية الخليقة محط اعجاب بل وقبلة للأمم, مما تحمله من معتقدات سماوية كانت ام وضعية وعلى اختلافها وتنوعها حتى ان الكثيرين من الغازين والفاتحين على حد سواء رأوا فيها منطلقا اساسيا لتعميم افكارهم, ومصالحهم ايا تكن هذه الافكار والمصالح على المحيط الجغرافي برمته وانه دون الاستحواذ على هذه البقعة بما تحمله بين ثناياها من طهر ستبقى الفكرة مفتقدة الى احدى اثافيها الثلاثة خاصة وانها تعتبر معجزة لماتحمله من معان ورموز تاريخية عكست نفسها بشكل سياسي عبر كل العصور والازمان التي مرت بهذه المدينة, سلما كانت ام حربا. ومن الملفت للنظر ان المدينة التي بناها اليبوسيون الذين دخلوا التاريخ من اوسع ابوابه منذ مايقارب آل 3000 ق.م حملت كل اسماء الغزاة فقد سماها البعض او رشليم والبعض الآخر اوروشاليم, وايليا كانيتولينا, بيت المقدس, سالم, القدس, مدينة داود, يبوس, يروشالايم. وعلى ما يبدو ان قول المؤرخ روبسبير (ان الشعوب السعيدة هي الشعوب التي لا تاريخ لها) ليس دائما على صواب فالقدس والارض العربية تمتلك تاريخا مفعما بهادمي وباني الحضارات لكن وبعيدا عن الانحياز والتحزب فقد شكل العرب القدامى والجدد وما بينهما بناة حضارات متناسلة لم ترق لمثلها حضارات انسانية على وجه الارض. فبعد ان بنى اهلها الكنعانيون مجدها احتلها داود منهم حوالي ألف قبل الميلاد, ووحد فيها قبيلة يهودية مع قبائل بني اسرائيل الشمالية. ومن حسن الحظ ان الحفريات التي بدأت بها ما يسمى (بمؤسسة القدس) بعد احتلال المدينة المقدسة في العام 1967 التي زعمت بتاريخ يهودي في هذه البقعة وبتمويل من مؤسسات امريكية وبريطانية وكندية قد باءت جميعها بالفشل الذريع, عندما عثرت على قلعة كنعانية تعود الى العام 1300 ق.م. والى الشمال من المدينة المقدسة ازدهرت الحضارات والامبراطوريات التاريخية الاشوريون, الفرس, الرومان, البيزنطيون, العرب المسلمون, امويون وعباسيون وفاطميون, المماليك, العثمانيون وقد كانت محط اعجاب كل المتوجهين الى الشرق على اعتبار انها المدينة الوحيدة التي تشرعن بقاء هذا الغازي او ذاك لهذا السبب لم تهدأ يوما فقد تحدت كل اعاصير الصراعات التي حملها كل الغرباء وبقيت هكذا حتى يومنا هذا. لكن حتى لا نغيب كثيرا في الحدث فقد استقرت المدينة لاهلها وبناتها الاوائل فقد هرب القائد البيزنطي من ايليا, وبقيت تحت سلطة البطريك سوفرونيوس الذي اشترط تسليم المدينة الى الخليفة عمر بن الخطاب نفسه في العام 638م الذي كان قد وصل الى الجابية للقاء القادة هناك وتنظيم الاراضي التي وقعت في ايدي المسلمين العرب, ودراسة خطط المستقبل وجاء عمر الى القدس وعقد مع البطريك صلحا سلمت بموجبه المدينة للخليفة, وكتب عمر عهدا للمسيحيين من سكانها, امنهم به على ارواحهم واموالهم وكنائسهم لقاء الجزية والولاء لدولة الاسلام. وتؤكد المصادر ان عمر حظر على اليهود الاقامة في القدس بين المسيحيين تحت طائلة العقاب الجسدي والمادي. ومن اللافت ان اوروبا المسيحية بقيت ترنو الى العودة للشرق عامة والى بيت المقدس خاصة انطلاقا من قيم دينية. وقد استغل هؤلاء الغزاة الصراع بين السلاجقة والفاطميين والضعف والهون الذي اصاب الممالك الاسلامية وبدأو الزحف باتجاه المدينة انطلاقا من انطاكية مرورا بسواحل لبنان الحالية في مايو 1099م وتابعوا السير نحو القدس لكنها تمنعت عليهم حاصروها من 7 يونيو الى 15 يوليو 1099م وسقطت المدينة في ايديهم, وقاموا بمذبحة رهيبة ضد السكان المحليين. لكن السلاجقة المسلمين بقوا على موقفهم الرافض للوجود الصليبي في بيت المقدس وقادوا الصراعات الدامية على حدود مملكتهم خاصة في ما بين 1146 و1149م. وبقيت الصراعات بين مد وجزر حتى جاء العصر المملوكي 1260م الذي تزامن مع وجود مملكة اورشليم اللاتينية وبعد النصر في حطين استرد صلاح الدين معظمها ورحل عنها الفرنجة وتجمعوا في الساحل وبعد ذلك اولى الايوبيون عناية خاصة لاعادة الطابع الاسلامي الى القدس بعد التغيرات التي طرأت عليها ايام الفرنجة. ولم يهدأ التآمر حتى بدأت القدس ومن خلال التنافس الاستعماري الاوروبي فيما بين الدول الاوروبية تستخدم سلاحا متعدد الجوانب للاختراق السياسي, واصبح كل طرف يسعى لتأمين موطىء قدم له فيها ليناوروا عبره للسيطرة على جزء من اراضيها عند تقسيمها. وفي غمرة الصراع بين محمد علي والسلطنة العثمانية وجدت الكنيسة البروتستانتية ضالتها بحماية اليهود, كونها لا تمتلك جالية (طائفة بروتستانتية) وبدأت باستجلابهم الى القدس. وفي ظل هذا الوجود نشطت الجمعيات الاثرية التي عنيت بالدراسات التوراتية وخصوصا بما سمي (علم الاثار التوراتي), الذي قام بانشاء صندوق استكشاف فلسطين سنة 1865م على يد الانجليز, وظل الوجود اليهودي يتزايد في ظل السيطرة الانجليزية والغربية وبمساعدتها الى ان حلت نكبة عام 1948 بقيام اسرائيل.. وما زال الصراع مستمرا. * كاتب فلسطيني مقيم في دمشق