لاشك أن الشرعية الدولية يجب أن تمثل المرجعية الأساسية لحسم مسألة القدس على طاولة أي مفاوضات قادمة, لكن الشرعية الدولية لا تشكل بذاتها آلية للضغط بهدف التوصل إلى اتفاق, ناهيك عن وضع هذا الاتفاق موضع التنفيذ على الأرض, من ثم فإن التحديد الدقيق لملامح المرجعية التي تمثل سندا للشرعية الدولية, لا يمكن أن يكون ـ بحد ذاته ـ هدفا, لكنه مجرد خطوة ـ تتسم بالأهمية البالغة ـ على طريق انجاز الهدف, ولابد أن يتم تحديدا المرتكزات التي تشكل محاور للتحرك باتجاه عودة الحقوق الشرعية لأهلها في القدس. وإذا كانت تلك المرتكزات تشكل ـ في مجملها ـ الملامح الأساسية لاستراتيجية عربية للتحرك, فإن الخطوة الأولى ـ في هذا الاتجاه ـ يجب أن تتم عبر تجاوز الانتقائية التي تفرضها الولايات المتحدة وإسرائيل بالاستناد لبعض القرارات, وغض الطرف أو الادعاء بنسخ بعضها الآخر, والإصرار العربي على اعتماد كافة القرارات الدولية للجمعية العامة للأمم المتحدة, ومجلس الأمن التي تمس جوانب الصراع العربي/ الإسرائيلي, وتنفذ إلى جوهره لاسيما ما يتعلق بمدينة القدس بداية بالقرار 181 لعام 47 الخاص بتقسيم فلسطين, مرورا بالقرار ,242 وصولا إلى القرار الرئاسي لمجلس الأمن عام 98. ففي عام 48 صدر أكثر من قرار عن مجلس الأمن الدولي تؤكد الأهمية الخاصة للقدس, وضرورة اتخاذ كافة الضمانات لحماية مدينة القدس والأماكن المقدسة فيها, والسماح بالوصول إلى جميع أماكن العبادة, لمن لهم حق معترف به في زيارتها, كما تبنت الجمعية العامة القرار رقم 194 في العام نفسه, والذي نص على أن تلقى منطقة القدس معاملة خاصة ومنفصلة عن بقية فلسطين. تحدي العالم تجدر الإشارة ـ في هذا السياق ـ إلى أن إسرائيل لم تحصل على عضويتها في الأمم المتحدة, إلا بعد توقيع بروتوكول لوزان في مايو ,49 متضمنا القبول بمشروع التقسيم كأساس لحل المشكلات الثلاث: الأرض, القدس, اللاجئين. وفي ديسمبر من العام ذاته أعادت الجمعية العامة في القرار 303 تأكيد و ضع القدس تحت نظام دولي دائم ردا على نقل إسرائيل عاصمتها إلى القدس رغم القرارات الدولية والاحتجاج العربي. وتصدت الشرعية الدولية للإجراء الإسرائيلي عبر أكثر من قرار, ففي الدورة الخامسة للجمعية العامة التي انعقدت عام 1950 قدمت اللجنة الخاصة تقريرا يتضمن مشروعا يمنع العرب وإسرائيل من اتخاذ القدس عاصمة, ورفضت الدولة العبرية القرار, كما اتخذ مجلس الوصاية عدة قرارات تتعلق بالقدس, إذ دعا القرار 114 في ديسمبر 49 إسرائيل إلى إلغاء نقل بعض الوزارات إلى القدس, وفي فبراير 50 أصدر المجلس قرارا آخر بدعوة الأردن وإسرائيل إلى إبداء الرأي في تعديل مشروع نظام القدس. وعقب احتلال القدس الشرقية عام ,67 اتخذت إسرائيل إجراءات عديدة وسريعة لتهويد القدس, وعلى مدى ما يقرب من الشهر ناقشت الجمعية العامة في منتصف يونيو إلى 21 يوليو 67 أبعاد قضية القدس ـ في إطار مناقشة مستجدات ما بعد حرب يونيو ـ واتخذت القرار 2253 الذي أعربت فيه عن القلق الشديد للحالة السائدة في القدس, نتيجة التدابير الإسرائيلية لتغيير طابع المدينة, واعتبر القرار تلك الإجراءات غير صحيحة, وطالبت الجمعية العامة بإلغائها, والامتناع الفوري عن القيام بأي عمل من شأنه تغيير وضع القدس. ثم أكدت الجمعية مطالباتها السابقة بالقرار 2254 الذي أشار إلى عدم التزام إسرائيل بالقرار ,2253 وكرر المطالبة بإلغاء جميع الإجراءات التي تم اتخاذها بهدف تغيير الوضع في القدس, وفي ديسمبر 1971 أكدت الجمعية ـ مرة أخرى ـ في القرار 2851 أن كل الإجراءات التي اتخذتها إسرائيل لاستيطان الأراضي المحتلة ـ بما في ذلك القدس ـ باطلة ولاغية. وعلى مدى أكثر من ثلاث سنوات من إبريل ,68 وحتى سبتمبر 71 أعاد مجلس الأمن النظر ست مرات في قضية القدس, وجاءت قراراته في كل مرة مؤكدة على إدانة التصرفات الإسرائيلية المتجاوزة للشرعية الدولية, كما أدانت منظمة اليونسكو ولجنة حقوق الإنسان الخروقات الإسرائيلية وأكدت بطلان الإجراءات التي اتخذتها سلطات الاحتلال الإسرائيلي بصدد تغيير الطابع الثقافي والديموجرافي للمناطق العربية المحتلة خاصة القدس. ضد"الكنيست"..! وفي عام 80 أصدر مجلس الأمن القرار 476 الذي يقضي بعدم شرعية الاستيلاء على منطقة القدس بالقوة, ردا على قانون الكنيست الإسرائيلي باعتبار القدس الكاملة والموحدة عاصمة للدولة العبرية, وعزز المجلس هذا القرار بآخر يحمل رقم 478 موجها اللوم الشديد لإسرائيل لإصدار هذا القانون الذي يشكل انتهاكا للقانون الدولي, وأكد مجلس الأمن ـ حينذاك ـ على أن جميع الإجراءات التي اتخذتها إسرائيل وغيرت ـ أو تغير ـ وضع القدس تعتبر باطلة, ويجب إلغاؤها فورا, ودعا القرار جميع الدول الأعضاء إلى قبول هذا القرار, وسحب البعثات الدبلوماسية من القدس.وفي التسعينيات واصلت الامم المتحدة اصدار قراراتها بشأن القضية الفلسطينية مؤكدة باستمرار على حق الشعب الفلسطيني في تقرير مصيره, واعتبار فرض السيادة على القدس عملا مخالفا للشرعية الدولية , بكل معاهداتها ومواثيقها, وفي المجمل فإن تلك القرارات أكدت على عدم شرعية فرض السيادة الإسرائيلية على القدس, وفي يوليو 98 أصدر مجلس الأمن قرارا رئاسيا طالب فيه إسرائيل بالتراجع عن توسيع حدود بلدية القدس, وعدم استباق المفاوضات بشأن الوضع النهائي للمدينة المقدسة, ووصف القرار الإسرائيلي بأنه تطور خطير, وضار, وطالب بعدم اتخاذ أي خطوات أخرى, وأكد المجلس في بيانه ـ الذي حظي بموافقة إجماعية ـ على أهمية وحساسية مسألة القدس بالنسبة لجميع الأطراف. هذا الفيض من القرارات الدولية ذات الأهمية المعنوية والفعلية في بعض الأحيان ـ ليس من شأنه فقط الانتقاص من شرعية الإجراءات الإسرائيلية ـ بل دحضها قانونيا ـ بصدد تهويد القدس, وتسليط الضوء على التناقض الصارخ لممارساتها مع القانون الدولي, ولكن الأهمية الأكبر تكمن في ضرورة اعتبار هذه القرارات ـ على وجه الإجمال ـ إطارا مرجعيا, وأساسا قانونيا دوليا للحقوق المشروعة في القدس, وإذا كان الواقع الراهن ـ عبر توازنات القوى, وحسابات المصالح ـ لا يتيح استثمارا كاملا لهذا الفيض من القرارات, فإن ذلك لا يعني ـ بأي حال ـ رفع الرايات البيضاء, والاستسلام لليأس, وسياسة الأمر الواقع التي تهدف إسرائيل ـ ومن خلفها الولايات المتحدة ـ فرضها على الفلسطينيين, والعرب, والمسلمين, وحتى المسيحيين بشأن القدس. إن تلك القرارات تمثل معينا لا ينضب للتعبئة الشعبية والرسمية فلسطينيا, وعربيا, وإسلاميا, ودوليا, ولكن بشرط تحديد مرتكزات واضحة لاستراتيجية التحرك الفلسطيني / العربي/ الإسلامي (دون استخدام واو العطف) ووضع المجتمع الدولي أمام مسئولياته التاريخية والقانونية والأخلاقية. تعنت وصلف لعل تفعيل مرجعيات الشرعية الدولية إقليميا وعالميا لمواجهة تحدي القدس الذي يفرضه التعنت والصلف الإسرائيلي يتطلب ـ أولا ـ القبول بمواجهة التحدي جديا ـ بعد استيعاب أبعاده وطبيعته ـ ثم تحديد المرتكزات والآليات اللازمة لبناء خطة تحرك استراتيجي. في هذا الإطار يمكن تحديد ملامح لتصور مبدئي يمكن البناء عليه, ثم تطويره ـ أو تصعيده ـ وفق المقتضيات العملية, مع ضرورة التمييز خلال تلك المرحلة بين الهدف الاستراتيجي الذي يعتمد على الثوابت, والاهداف السياسية المرحلية التي لا يمكن أن تتجاهل المتغيرات حتى يمكن ـ في المحصلة النهائية ـ كسب معركة القدس, دون الاستغراق في الرهان على تغير موازين القوى الراهنة, بما يعتريها من خلل, لأن الطرف الآخر (الولايات المتحد ة + إسرائيل) يكرس في كل الأحوال اختلالات التوازن, وسياسة الأمر الواقع, ويستفيد منهما باستمرار! ومن ثم فإن الرهان على مسألة الانتظار حتى تتغير المعادلات الإقليمية والدولية القائمة يقود إلى نتائج أكثر كارثية! ويمكن رسم الملامح العامة للتحرك الاستراتيجي العربي لتحويل القرارات الدولية من رصيد مدين ـ كما تكرس الولايات المتحدة وإسرائيل الأمر ـ إلى رصيد دائن على النحو التالي: 1) أن يستهدف التحرك العربي ـ أولا ـ نزع أي غطاء شرعي أو أخلاقي أو قانوني تتدثر به الممارسات الصهيونية ـ المدعومة أمريكيا ـ أمام الرأي العام الدولي, لوضع عقبات وصعوبات عملية أمام مخاطبة آلية الدعاية الصهيونية الجهنمية للرأي العام العالمي. 2) إحياء الإرادة العربية بشكل فعلي وعملي, بعيدا عن الأداء الشعاراتي الموسمي, عبر الدعوة العاجلة لقمة عربية لها جدول أعمال من بند واحد, لتصور قرارات واضحة حاسمة بشأن القدس, على أن تعتمد آليات ومسئوليات التنفيذ والمتابعة. 3) توزيع وتحديد الأدوار فلسطينيا, وعربيا, وإسلاميا بهدف تعامل الدول العربية والإسلامية وفق الآليات المناسبة للتأثير على قطاعات المجتمع الدولي وقواه الأساسية, فثمة دول عربية وإسلامية أحرزت قوة وحجما يجعلها قادرة على التأثير في مواقع وقطاعات دولية ترتبط معها بمصالح واضحة. 4) تفعيل دول الجامعة العربية, ومنظمة المؤتمر الإسلامي وأجهزتهما المتعددة, وكذا لجنة القدس, والسعي إلى عقد قمة عربية/إسلامية ـ بعد التئام القمة العربية ـ لاتخاذ قرارات حاسمة بشأن القدس استنادا إلى المرجعية المستندة إلى قرارات الشرعية الدولية, وفضح أي صيغ مطروحة للالتفاف حول تلك المرجعية عبر تجزئة مسألة السيادة على القدس إلى جوانب إدارية, سياسية, روحية دينية.. الخ. 5) استثمار الجاليات العربية في الولايات المتحدة وأوروبا وأمريكا اللاتينية, وإن كان الوقت لا يسمح ببناء لوبيات عربية فإن التحرك المألول لن يبدأ ـ في كل الأحوال ـ من فراغ, إذ ان تلك الجاليات لا تفتقد التنظيم تماما, لكنها بحاجة إلى الدعم والتوجيه والتفعيل. 6) السعي باتجاه إحياء دور الراعي الروسي في عملية السلام, ومطالبة أوروبا, بل دفعها إلى توسيع حدود دورها الدبلوماسي بشأن العملية السلمية عموما وقضية القدس على وجه الخصوص, لإحداث درجة من التوازن في مواجهة الانحياز الأمريكي الأعمى للرؤية الإسرائيلية المطروحة بشأن القدس, والمتجاهلة تماما للشرعية الدولية, بينما الأمر يتسم بدرجة عالية من الوضوح بالنسبة للموقف الأوروبي في هذا الصدد. 7) مخاطبة الرأي العام الاسرائيلي ـ مباشرة ـ مع توظيف الانقسام الذي كشفته استطلاعات الرأي حول مستقبل القدس, فقد أوضح استطلاع أخير أن 64% من الإسرائيليين اعتبروا أنه من غير الممكن التوصل إلى اتفاق نهائي بدون إعادة الجزء الأكبر من القدس الشرقية الذي احتلته إسرائيل عام 67 إلى الفلسطينيين. 8) حشد مواقف التجمعات والمنظمات الدولية من خلال طرح رؤية عربية إسلامية موحدة انطلاقا من الشرعية الدولية, على أن يتم التنسيق بهذا الشأن عبر الجامعة العربية, ومنظمة المؤتمر الإسلامي, ودعم الجهود الدبلوماسية النشطة على المستوى الثنائي التي تعزز التوجه العام, مع الحرص على التواجد المكثف والمؤثر في المؤتمرات والندوات الدولية التي تتناول في جداول أعمالها الصراع العربي الإسرائيلي. 9) اعتماد خطة تحرك إعلامي متعدد المستويات للترويج للرؤية العربية الإسلامية ـ بمرجعيتها المستندة للشرعية الدولية ـ في مواجهة المحاولات الإسرائيلية التي تسعى للتمويه على الطبيعة العنصرية للدولة العربية, اعتمادا على أوهام وأساطير ومغالطات لا سند لها من تاريخ أو في الكتب المقدسة. 10) استثمار التطورات القانونية الدولية التي تعزز الحقوق العربية الإسلامية في القدس من خلال المطالبة بتطبيق النص الخاص باعتبار الاستيطان جريمة من جرائم الحرب التي لا تسقط بالتقادم, الأمر الذي ينطبق ـ تماما ـ على حالة القدس, طبقا لما أقره اجتماع روما لوضع الصيغة النهائية لاتفاقية إنشاء محكمة جنائية دولية. 11) إحاطة الرأي العام الإسلامي والدولي بحقيقة أن القدس ـ فعليا ـ مدينة مقسمة على الأرض, برغم زعم إسرائيل غير ذلك, وأنه لا يزال من الممكن تمييز موقع الخط الأخضر بسهولة, والذي يفصل القدس الغربية عن القدس الشرقية حتى الآن. 12) تحديد المقومات المادية والعملية التي تضمن نجاح الجهد العربي الإسلامي وتوفر عناصر صموده في مواجهة التعنت الإسرائيلي, والانحياز الأمريكي, واعتبار التحرك العربي الإسلامي واجبا مستمرا حتى يصل إلى هدفه النهائي, لأن المسألة تحتاج إلى المتابعة والصبر والنفس الطويل والمرونة دون تفريط أو التخلي عن الثوابت, وعبر آلية محددة تضمن استمرار الجهود وتطويرها في مواجهة المتغيرات والتحركات المضادة. يبقى ـ أخيرا ـ التأكيد على أن الخط الرئيسي الذي يجب أن يحكم التحرك الاستراتيجي العربي الإسلامي وفق هذا الطرح يتمثل في الالتزام باستعادة القدس الشرقية كعاصمة للدولة الفلسطينية والإصرار على الاحتكام للشرعية الدولية, ومرجعيتها المجسدة ـ بالأساس ـ في قرارات الأمم المتحدة ومنظماتها المختلفة, مع تذكير الرأي العام الدولي ـ والإسرائيلي أيضا ـ أن شرعية الدولة العبرية تستند إلى قرار صادر عن الأمم المتحدة, وأن الإصرار على رفض القرارات الصادرة عن المنظمة الدولية يعني في جوهره طعنا بشرعية قيام إسرائيل ذاتها!. * كاتب مصري