خرج المرشح الجمهوري للرئاسة الامريكية جورج بوش من مؤتمر حزبه متقدما بنسبة 17 في المئة على منافسه الديمقراطي آل جور. وكانت استطلاعات الرأي السابقة لمؤتمر الحزب الجمهوري تشير الى تقدم بوش على جور بأقل من 4 في المئة. واستطلاعات الرأي الاخيرة هذه تشير ايضا الى ان بوش يتمتع الآن بدعم اكثر من 90 في المئة من الناخبين الجمهوريين. ولثقته بأن قاعدته الجمهورية موحدة خلف ترشيحه وبصلابة ديك تشيني الذي اختاره ليرافقه في الانتخابات الرئاسية كنائب للرئيس سعى بوش لتوظيف مؤتمره الحزبي في محاولته الوصول لناخبي (الوسط) . وفي هذا السياق كان المؤتمر الجمهوري حدثا اعلاميا ادير ببراعة فائقة, وظهر الحزب الجمهوري بزعامة بوش في اعين الناخبين الامريكيين واعين الذين تابعوا التغطية الاخبارية التلفزيونية للمؤتمر تجمعا موحدا متعدد الاعراق وموحيا بالتفاؤل. وقد اثمرت افكار (الشمول والتحديث) التي طرحها بوش لتدفع بتقدمه للسباق الانتخابي من 4 الى 17 في المئة امام جور بشكل زاد الدعم للجمهوريين بين النساء والمستقلين وبعض الجاليات والاقليات. كما حظيت رسالة بوش الاكثر انفتاحا باستقبال حسن في اوساط الاعلام الامريكي. ويعتقد بعض المحللين الامريكيين ان المعالجة (الاكثر رفقا) التي اعطيت لبوش مسئولة الى حد ماعن التقدم الذي احرزه في استطلاعات الرأي على جور. وتؤكد دراسة حديثة اجرتها مؤسسة رقابة اعلامية واستطلاعات رأي هي فوتار كوم على هذه النقطة وتظهر الدراسة بأن بوش قد حصل على ضعف الاوساط الاعلامية الايجابية مما حصل عليه جور. وتقول فوتار كوم ان الناخبين حينما كانوا يسألون عن وقع التغطية الاعلامية على آرائهم ومواقفهم تجاه المرشحين, قال 50 في المئة منهم انها جعلتهم (اكثر ميلا لتأييد جورج بوش) فيما اجاب 43 في المئة منهم بأن التغطية جعلتهم (اقل ميلا لدعم آل جور) . ويأتي اختيار السيناتور جوزيف ليبرمان رفيقا لآل جور في الانتخابات الرئاسية جزءا من محاولات المرشح الديمقراطي لتغيير هذا التحول. وهناك عدة عوامل اخرى يجب اخذها بعين الاعتبار في تقييمنا لهذا التطور الاخير. اولا وقبل كل شيء هناك توقيت هذا الاعلان. اذ ان الاعلان عن المرشح لمنصب نائب الرئيس لا يتم عادة الا في الاسبوع السابق للمؤتمر الحزبي. وقد غادر بوش مؤتمر حزبه يوم الجمعة الماضي ليبدأ جولة انتخابية لمدة اسبوع يأمل من ورائها ان تبقي على التغطية الاعلامية الايجابية لحملته الانتخابية الرئاسية الى ان يبدأ المؤتمر الديمقراطي. وبتسريبه اختياره ليبرمان للاعلام الساعة السابعة من صباح الاثنين (حتى قبل الاتصال بالسيناتور ليبرمان لابلاغه بالقرار) ثم اعلانه القرار رسميا يوم الثلاثاء قبل السفر الى مسقط رأس ليبرمان لاحتفال آخر يوم الاربعاء حظي جور باثنتين وسبعين ساعة من التغطية الاعلامية القصوى. واصبحت جولة بوش (انباء قديمة) وكانت القصة الرائجة في البلاد تدور كلها حول ليبرمان. وفيما كان تركيز العالم العربي حول اختيار ليبرمان يدور بشكل يمكن تفهمه حول سجل هذا السيناتور السياسي بخصوص قضايا الشرق الاوسط, الا ان التركيز هنا في الولايات المتحدة دار حول شيء آخر. فقد ثارت دراما واسعة حول اختيار اول يهودي لمنصب نائب الرئيس. ودارت المقارنات كلها حول الاوائل: الحاكم آل سميث اول كاثوليكي يخوض الانتخابات الرئاسية وجيرالدين فيرارو اول امرأة تخوض الانتخابات لمنصب نائب الرئيس. وليست حقيقة كون ليبرمان يهوديا هي التي حظيت باهتمام الامريكيين بل لكونه يهوديا متدينا ومتشددا ايضا. وتوازى هذا مع حملاته في مجلس الشيوخ ضد (لا اخلاقيات) هوليوود والتلفزيون وتقريعه الشديد للرئيس بيل كلينتون وسلوكه خلال قضية مونيكا لونيسكي التي اعطت ليبرمان لقب (ضمير مجلس الشيوخ) و(صوت الاخلاقيات والشرف) . وفيما اشار بعض المحللين الى ان جور ربما اختار ليبرمان ليتبرأ من فضائح كلينتون الاانه من الممكن ايضا الخروج بتبريرات اخرى, اذ ان ليبرمان وهو يهودي يحظى بالاحترام بين اليهود ساعد جور في تغيير موضوع ونبرة التغطية الاعلامية, وكانت النتيجة نقلة فورية في الحوار السياسي القومي بخصوص انتخابات 2000. واظهر استطلاع للرأي مبكر اجرته مؤسسة جالوب (على الرغم من انه يفتقد بعض المصداقية) بأن ثنائي جور ـ ليبرمان تحرك فورا باتجاه ردم الهوة مع ثنائي بوش تشيني. وهناك بعض الايجابيات والسلبيات في اختيار ليبرمان ولن تتضح الصورة الاشمل لاثر اختياره الا في الاسابيع القليلة المقبلة الا ان بعض العناصر يمكن استكشافها مبكرا. على الجانب الايجابي يمكن لليبرمان بالتأكيد ان يساعد جور في استعادة التأييد له من جانب وسط التيار المستقل. فالسيناتور هو زعيم من مجلس قيادة الوسط الديمقراطية. وحتى انه بعض الاحيان وقف بجانب الاغلبية الجمهورية في مجلس الشيوخ حيث ايد على سبيل المثال خصخصة الضمان الاجتماعي. وهو معروف ايضا بموقفه المتشدد في قضايا الدفاع القومي وساند ليبرمان برنامج انظمة الدفاع الوطنية المثيرة للجدل وكان شأن جور واحد من عشرة ديمقراطيين فقط ساندوا العمل العسكري ضد العراق عام 1991. اما على جانب السلبيات, فإن مواقف ليبرمان المحافظة بخصوص هذه القضايا وغيرها قد لا تكون عاملا مساعدا في توحيد القاعدة الديمقراطية من الناخبين الاكثر ليبرالية. اذ ان استطلاع الرأي نفسه الذي اشرت اليه اعلاه والذي اظهر بأن بوش يحوز على 20 في المئة من اصوات الناخبين الجمهوريين اظهر في المقابل ان جور لا يتمتع سوى بنسبة 70 في المئة من اصوات الديمقراطيين. وهكذا بينما يستطيع بوش ان يصل الى وسط الطيف السياسي فإن محاولة جور الموازية هذه قد تكون محفوفة بالمخاطر ما لم تتزامن بحملة للتشبث بالدعم الديمقراطي الواسع. واستجابة لهذه المعضلة كان مرشح حزب الخضر رالف نادر الليبرالي يحاول جاهدا الوصول الى الجماعات الديمقراطية التي شعرت بابتعاد جور عنها. ويحظى نادر حسب استطلاعات الرأي الآن بنسبة 6 في المئة فقط من اصوات الناخبين, الا ان معظم دعمه هذا أتى على حساب جور. والصعوبة الاخرى التي يمكن ان يمثلها اختيار ليبرمان مرشحا لنائب الرئيس والتي اشارت اليها بعض الصحف هو الاثر الذي يمكن ان يتركه لدى بعض الجاليات العربية الصغيرة لكن في بعض الولايات, غير قليلة الشأن. وهذا ليس بفعل دين المرشح بقدر ما هو نتيجة لسجله السياسي فقد كان ليبرمان الراعي للعديد من المحاولات التشريعية المثيرة للجدل بما فيها تلك التي كانت تتضارب مع جهود بيل كلينتون الشرق اوسطية السلمية. وعبر الامريكيون العرب عن تخوفهم المشروع من ماضي السيناتور ليبرمان. وفي الوقت نفسه يشيرون ايضا لبعض المواقف الايجابية التي اتخذها ليبرمان ويراقبون بعض التغير الذي أخذ يظهر مسبقا في تفكير السيناتور. من جانب آخر يعرف عن ليبرمان نزاهته وكان قويا في دعمه لحصول الامريكيين العرب على مكانهم المشروع في السياسة الامريكية. ففي عام 1992 حينما كان انصار اسرائيل يحاولون جاهدين سد الطريق امام المشاركة الامريكية العربية في حملة كلينتون ـ جور, كان ليبرمان هو من طالب وعمل على اشراكهم. كما وقف السيناتور ايضا في وجه الذين حاولوا اعتراض سبيل بعض مبادرات مجلس الشيوخ الهادفة للاعتراف بالأمريكيين المسلمين وحقوقهم. بل ان احد التحليلات السياسية للامريكيين العرب والسياسة الخارجية وجدت مؤخرا بأن ترشيح ليبرمان يمكن ان يفتح الباب الذي اغلق مسبقا امام الامريكيين العرب. من جانبها اشارت صحيفة (جيروزاليم بوست) الاسرائيلية الصادرة بالانجليزية بشيء من عدم الرضى الى ان ليبرمان قد غير من موقفه حاليا بخصوص نقل السفارة الامريكية الى القدس. وهذا التغير كان قد بدأ قبل ان يتسلم ليبرمان انباء ترشيحه نائبا للرئيس. وقد اشيع بأنه عندما اقترب رئيس الوزراء الاسرائيلي ايهود باراك من ليبرمان وطلب منه الضغط على الادارة الامريكية لتقوم بنقل فوري لسفارتها الى القدس بعد انهيار مفاوضات كامب ديفيد, حذر ليبرمان باراك من ان الوقت ليس مناسبا لفعل ذلك. كما عبر ليبرمان ايضا عن معارضته القوية لجهود بعض المنظمات اليهودية الرئيسية الساعية لاطلاق سراح الجاسوس اليهودي جوناثان بولارد. على كل حال ستستمر الموازنة بين السلبيات والايجابيات بخصوص ترشيح ليبرمان في الايام والاسابيع المقبلة. وبعد ان تهدأ انباء ترشيحه ويقام المؤتمر الحزبي الديمقراطي على مدى الايام الاربعة المقبلة, ستظهر استطلاعات الرأي الى اي مدى كان جور قادرا على تغيير آليات هذه الحملة. وبالتأكيد ستكون المعركة حامية لكن المراقبين يسترجعون للذاكرة حملة جورج بوش الاب عام 1988 ضد المرشح الديمقراطي مايكل دوكاسيس الذي كان يتقدم بنسبة 17 في المئة في السباق الانتخابي بين الاثنين ذلك العام. ولهذا فإن كل العيون ستتوجه نحو المؤتمر الديمقراطي لرؤية ما اذا كان استعراض جور ان يجاري او يتغلب على استعراض الجمهوريين في فيلادليفا.