بقدر ما فجرت القمة التي عقدت بين الكوريتين في يوليو الماضي والمحادثات التي تلتها الآمال بتوحيد شطري كوريا بعد اكثر من نصف قرن من المجابهة والقطيعة بقدر ما اثارت هذه القمة ردود فعل متباينة تراوحت بين التأييد والحذر والترقب والمعارضة الضمنية . حيث ذهب البعض الى مقارنة الآثار التي ستخلفها الوحدة بين الكوريتين بالاثار التي تركتها الوحدة بين الالمانيتين وانهيار جدار سور برلين مع انتهاء الحرب الباردة وانهيار الاتحاد السوفييتي السابق. بداية لا بد من التأكيد بأن عودة الاجواء الايجابية بين الكوريتين الشمالية والجنوبية لم تكن بالامكان لولا انتهاء الحرب الباردة وآثار مرحلة ما بعد هذه الحرب على التوجهات السياسية والاوضاع الاقتصادية والاجتماعية في البلدين وخصوصا كوريا الشمالية التي كانت تتلقى في السابق مساعدات كبيرة من دول المعسكر الاشتراكي السابق ومع انقطاع هذه المساعدات وتوالي مواسم الجفاف انتشر الفقر والجوع والمرض بشكل مذهل الى درجة ان بيونج يانج لم تعد قادرة على تأمين الغذاء والوقود حيث تقول التقارير الدولية ان المئات يموتون يوميا بسبب النقص الحاد في كميات الغذاء, فيما كوريا الجنوبية التي حققت في السنوات الاخيرة طفرة اقتصادية لم تكن متوقعة تبدو غارقة في قضايا الفساد الاداري والمالي والتي تعود في الاصل الى ايام الرئيس السابق كيم يونج سام, ولعل انهيار نظام القطب الثنائي الى جانب ثنائية الجوع والفساد في شطري كوريا دفعا بالشعب الكوري الى تشكيل حركة ضاغطة على القيادتين في البلدين للعمل من اجل التوحيد, فضلا عن الرغبة المشتركة في اقامة كوريا موحدة قوية فاعلة مؤثرة في الاحداث الاسيوية والعالمية وهو الامر الذي يثير دوافع متباينة لدى كل من روسيا والصين واليابان والولايات المتحدة. في ضوء ما سبق هل يمكن القول ان الوحدة بين الكوريتين اضحت ممكنة؟ وما هي العقبات التي تعترضها؟ في الواقع اذا كانت الوحدة بين الكوريتين تبدو رغبة شعبية وسياسية عارمة وكذلك حتمية تاريخية فإن اكثر من نصف قرن من التقسيم القسري ترك اثارا سياسية من الصعب تجاوزها إلا بمرور الزمن ومن خلال خطوات واجراءات كفيلة باعادة اللحمة الى الروابط السياسية والاجتماعية والاقتصادية والثقافية حيث شتتت حرب التقسيم اكثر من مليون اسرة واضحت مهمة لم شمل هذه الاسر في غاية الاهمية نظرا لما تركه ذلك من اثار نفسية ووجدانية وعاطفية وانسانية في المجتمع الكوري, ولعل العقبة الاساسية التي تعترض الوحدة تتمثل في الاختلاف الكبير في طبيعة النظام السياسي في كل بلد في وقت مازال يتمسك فيه كل طرف بنظامه السياسي ويعده طبيعة خاصة به غير قابلة للتحول عنها ومقدسة ما دامت شرعية السياسة مستمدة من هذه الطبيعة, ففي الوقت الذي تعتمد كوريا الجنوبية نظاما سياسيا ديمقراطيا تعدديا مماثلا لانظمة الحكم في الدول الغربية تنتهج كوريا الشمالية نظاما يقوم على سياسة الحزب الواحد, قريبا في شكله ومضمونه واسلوبه الى النظام الستاليني, وقد نتج عن اختلاف النظامين هوة كبيرة في مجال تصور كل نظام للقيم السياسية والاجتماعية وكذلك في مجال الحقوق السياسية والمدنية ولشكل الدولة وعلاقتها بالمجتمع, وفي التجربة التاريخية والممارسة الاقتصادية نتج عن اختلاف التجربتين هوة اقتصادية كبيرة بين الجنوب الذي حقق طفرة اقتصادية في آسيا وبات ينافس اليابان على الاسواق والصناعات مقابل الشمال الذي يعاني من الفقر المدقع والعجز شبه التام عن تأمين الغذاء والوقود للملايين الذين يهددهم الجوع والفقر والمرض, وبالرغم من كل هذا فإن النظام في كوريا الشمالية يصر على الحفاظ على سماته السياسية والاقتصادية مع ان هذه السمات سببت له عزلة اقليمية ودولية. وبالرغم من ان اختلاف النظامين يعد عقبة في وجه الوحدة إلا ان الاتفاقيات التي تم التوصل اليها خلال القمة التاريخية التي عقدت بين زعيمي البلدين في يونيو الماضي والاتفاقيات اللاحقة التي تمت بين وفود عالية المستوى والاجواء الايجابية التي تخيم على علاقات البلدين والحديث عن قمة جديدة بين البلدين على هامش قمة الالفية للامم المتحدة التي ستعقد في نيويورك خلال الشهر المقبل والعمل على تنسيق الجهود في المحافل الدولية كلها علامات تشير الى استيعاب بيونج يانج درس الوحدة الالمانية بالرغم من الاختلاف السياسي والايديولوجي وبالتالي الاندفاع نحو الوحدة بغض النظر عن الاختلاف الايديولوجي نظرا لما ستشكل هذه الوحدة من انقاذ لها من أزمتها الاقتصادية الخانقة التي تعاني منها فضلا عن انهاء العزلة الطويلة وعودتها الى المجتمع الدولي حيث تسارعت وتيرة الدول التي تنوي اقامة علاقات دبلوماسية معها وقد شكل لقاء كوالالمبور بين وزيرة الخارجية الامريكية مادلين اولبرايت ونظيرها الكوري الشمالي مبادرة دبلوماسية لتحسين علاقات معظم دول العالم الغربي مع كوريا الشمالية. في المقابل تسعى كوريا الجنوبية الى التوحيد لاسباب خاصة تتعلق بالحسابات السياسية والاستراتيجية في اسيا, وانطلاقا من المنافسة والدور والنفوذ تتجنب سيئول حاليا طرح القضايا الخلافية الحساسة مع كوريا الشمالية. فيما تبدو الصين وروسيا اكثر الدول رغبة في اقامة الوحدة بين الكوريتين نظرا لاعتبارات الجغرافيا والمصالح الاقتصادية والاستراتيجية وامكانيات التحالف القائمة في المستقبل, وفي مواجهة ذلك فان اغلب الظن ان الولايات المتحدة ستتجه الى فتح صفحة جديدة مع بيونج يانج لا للتوصل الى اتفاق للحد من البرنامج الصاروخي والنووي لكوريا الشمالية فحسب بل كي تكون حركة التقارب بين الكوريتين مواكبة لحركة الدبلوماسية الامريكية في آسيا والعالم ودعم هذه الحركة بشبكة علاقات اقتصادية وسياسية ومعلوماتية تحافظ على النفوذ الامريكي في آسيا. ان ملامح الوحدة بين الكوريتين بدأت تظهر خريطة جديدة في آسيا والعقبات التي تعترضها تعد من بقايا اثار الحرب الباردة ومع انتهاء هذه الحرب فان امكانية تجاوز هذه العقبات باتت ممكنة في ظل تطلع كل شطر الى تحقيق طموحاته السياسية والاقتصادية والاجتماعية من خلال الشطر الاخر, وهكذا تظهر الوحدة بين البلدين حتمية تاريخية بعد حرب دموية أودت بحياة الملايين وقطيعة سياسية دامت اكثر من نصف قرن, ولعل السؤال الذي يطرح نفسه هنا هل سيستفيد العرب من الدرس الكوري المنتظر؟