يستهدف المخطط الاسرائيلى الموضوع للقدس منذ حكومة بيجين فى نهاية السبعينيات ان تكون القدس وبصفة نهائية بمثابة مدينة كبرى (متروبوليتان) تمتد غربا تجاه تل أبيب, وجنوبا باتجاه الخليل وحلحول, وشمالا الى ما وراء رام الله, وشرقا حتى حدود أريحا. وهو مايعنى الضم الكامل للقدس القديمة, وبذلك تشكل مساحة القدس الكبرى 24% من مساحة الضفة الغربية. وبالتالى تقسيم الضفة الغربية عرضيا الى قسمين بحيث تبتلع القدس الكبرى حوالى ربعها. كشف عن ذلك المخطط (دان يهب) فى صحيفة (عال هامشمار) فى 1/2/1995 حين كتب: (إن مساحة القدس وصلت الى ذروتها فى عهد الهيكل الثانى, وامتدت المدينة فى العهدين القديم والحديث الى أن تم توحيدها بعد حرب يونيو 1967 واسرائيل تعمل على توسيع حدود القدس بدون توقف, فتشيد الأحياء الكبيرة التى تعتبر من الناحية العملية مدنا تابعة (Satelites) حول القدس الكبرى, لذلك يتم اليوم تشييد 6000 وحدة سكنية جديدة ابتداء من مستوطنات (جفعات أدوميم) فى الشرق, و(بيتار) و ( هاآردر ) بحيث تشكل هذه المنطقة الطوق الخارجى للضواحي وسيؤدى هذا الامتداد الهائل حوالى 30 كم طولا و25 كم عرضا الى وجود احدى أكبر المدن فى العالم, اذ ستبلغ مساحتها حوالى 840 كم,2 كما سيؤدى الى ضم عشرات المدن والقرى الى مجال نفوذ (بلدية القدس). كما أوضح (هيب) فى مقاله ان المخططات الأساسية للقوى الكبرى بدأت فور إحتلال قسمها الشرقى, وكان طاقم خاص من الخبراء قد أعد فى عام 1983 الخريطة التفصيلية لتنظيم أحياء المدينة, ولم يتوقف عمل هذا الطاقم عندما تغيرت الوزارات الاسرائيلية, وفقا للأهداف الرئيسية للمشروع. وقد تبنى تقرير (شيبسى) مخططات القرى الكبرى, التي حددت مسئوليات الوزارات والمؤسسات العامة والخاصة وبلدية القدس لتنفيذ هذه المخططات وتدبير الأموال اللازمة لها. تقسيم القدس الى سبعة ألوية بدأ تنفيذ خطة القدس الكبرى بضم المناطق الخالية حول القدس لاسرائيل, واقامة المستوطنات عليها مع تخصيصها للاحزاب والجماعات الدينية المتطرفة مثل (بيتار) و(هاآردر), استتبع ذلك الزحف للداخل للاستيلاء على المناطق الخالية فى داخل القدس القديمة وحدائقها وتلالها, وهدم الأحياء القديمة القريبة من الحائط الغربى للمسجد الأقصى مثل (حى المغاربة) و(حى الباشور) و(حى الشرق), وعدم اعطاء رخص بناء جديدة للفلسطينيين, ومن يخرج منهم من القدس لا يسمح له بالعودة اليها وتصادر أرضه ومنزله.. الى غير ذلك من الاجراءات التى تستهدف تهويد المدينة حتى أصبحت نسبة اليهود فيها كما يقول عمدتها (ايهود أولمرت) 72% وحول تقسيم مشروع القدس الكبرى كتب (نواب شرجاى) فى صحيفة هاأرتس فى 20/1/1995: (يرتكز أحد الخيارات التى عرضتها لجنة الخبراء من حيث التعامل مع حدود المدينة بأن يتم تقسيمها الى سبعة ألوية هى: القدس بحدودها الحالية, محطة يهودا وتشمل مستوطنة جوش عتسيون, منطقة بنيامين, منطقة رام الله والبيرة مع تعديلات حدودية, مجلس محلى من حدود بلدية القدس حتى شارع ألون وميشور أدوميم, ولاء بيت لحم مع تعديلات مختلفة, ومجلس لوائي ماعيلوت. ووفقا لهذا الاقتراح سيكون ثلاثة ألوية ذات أغلبية يهودية كبيرة هى: القدس, ومعاليه أدوميم, ومنطقة بنيامين, وسيتم تزويد المدينة (باحتياطى الأراضى فى المستقبل من خارجها). تلك هى ملامح الاستراتيجية الاسرائيلية المعروفة بـ (الضم والقضم) الاستكمال تهويد واقامة القدس الكبرى. أسلوب الاحزمة والبؤر وسيترتب على مضاعفة مساحة القدس ثلاث مرات, واحاطتها بـ (39) مستوطنة من الخارج, و(15) مستوطنة داخل القدس الشرقية, أن تبسط اسرائيل هيمنتها الكاملة على كل من بيت لحم, وبيت جالا, وبيت ساحور جنوب القدس والقوى المحيطة بها, وذلك بهدف استراتيجى يتمثل فى احداث فصل كامل بين شمال الضفة وجنوبها وهو مايشمل خطرا على الضفة الغربية برمتها. لأن اقامة القدس الكبرى عل كل هذه المساحة الشاسعة يعنى ضمنيا انشاء عدد من الانفاق بين المستوطنات التى تقع داخل القدس والمستوطنات جنوبها, بالاضافة لشبكة ضخمة من الطرق السريعة حول المدينة لتيسير نقل الاسرائيليين بين القدس والمستوطنات دون المرور بالقرى والمدن الفلسطينية. وفى ذلك تم انشاء طريقين هامين الاول يربط بين جنوب رام الله وشمال القدس مرورا بحى (أتاروت) و(بيجات زيف) بالقدس, والثانى بين السهل الساحلى ومجموعة المستوطنات حول القدس, بتكلفة 166 مليون دولار. هذا الى جانب استكمال مشروع شارون القديمة المعروف بـ (26 بوابة حول القدس) ويهدف الى سد الفجوات فى الطوق الاستيطانى داخل الأحياء الفلسطينية بمجموعات سكنية يهودية. وتقوم طريقة شارون فى العمل الاستيطانى والذى لايزال يشرف عليها رغم وجوده خارج وزارة حزب العمل على ثنائية (الأحزمة والبؤر) لتطويق التجمعات العربية بالمستوطنات, ثم الاندفاع داخلها عبر تركيز البؤر الاستيطانية والأحياء اليهودية التى تندفع (كأسفين) داخل التجمعات العربية كما حدث فى مدينة الخليل ثم ما تلبث هذه البؤر والأحياء اليهودية أن تتوسع حتى تفتت ماتبقى من تجمعات عربية يسهل تصفيتها بعد تحويل حياة سكانها الى جحيم. وقد جرى تنفيذ هذه الطريقة فى مناطق: الشيخ جراح, الصونة على جبل الزيتون, منطقة رأس العامود, وادى حلوى فى سلوان, حى الصلعة فى جبل المكبر. ولاستكمال تهويد المدينة ثم بناء أكثر من 10 آلاف وحدة سكنية فى مناطق العاد (مازور), (روسن هاعين) مستوطنة (زنوح), واقامة حى سكنى جديد فى دائرة (شندلر), وحيين سكنيين للمتطرفين فى (آلونا) استمرارا لحى (راموت) فى شمال المدينة, وفى (وادى الأرز) القريب من حى (نفتوح), مع توسيع المدينة الدينية (بيتار) جنوب القدس, ومستوطنة (معاليه أدوميم) شرق القدس وهى مااستدعت مصادرة 4400 دونم من الأراضى العربية, وبذلك أصبح الفلسطينيون يسيطرون على 10% فقط من أراضى القرى الشرقية, 85% من الأراضى يسيطر عليها الاسرائيليون, و5% أراضى متنازع عليها. ومن الواضع ان الهدف من وراء هذا المخطط الاسرائيلى هو احداث تغييرات ديموجرافية فى القدس لصالح زيادة عدد السكان اليهود فيها وتقليص عدد السكان الفلسطينيين بعد أن زرعوا فى القدس 168 ألف يهودى وبذلك أصبح عدد اليهود فى القدس بشقيها الشرقى والغربى 555 ألف بينهم 155 ألف عربى, و400 ألف يهودى أى بنسبة 28% عرب إلى 72% يهود. استراتيجية المواجهة. ان ما تتعرض له القدس اليوم من محنة, هو بلا شك اختبار للأمة العربية والاسلامية, وإذا كانت الصورة محبطة للوهلة الأولى, وحافلة بعناصر اليأس والقنوط, فإننا رغم ذلك ينبغى الا نفقد الأمل بل اليقين فى أن القدس ستبقى بإذن الله يتوسطها المسجد الأقصى مدينة اسلامية مباركة مصداقا لقوله تعالى: (سبحان الذى أسرى بعبده ليلى من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى الذى باركنا حوله لنريه من آياتنا انه هو السميع البصير). فرغم أن القدس قد اغتصبها الصليبيون فى القرن الثانى عشر طيلة مئة عام, فقد حررتها الجيوش المصرية والسورية بقيادة البطل الناصر صلاح الدين الايوبى فى عام 1187م عقب معركة حطين الشهيرة. لذلك فإن الاغتصاب الثانى للقدس على أيدى اليهود فى عام 1967 وحتى اليوم والذى رغم شراسته لم يتجاوز خمسين عاما, ينبغى الا يثنينا عن الاعتقاد الجازم بأن هذا الاحتلال اليهودى للقدس له نهاية, وان الأمة العربية التى أنجبت صلاح الدين بطل حطين, وقطز بطل عين جالوت الذى ألحق الهزيمة بالتتار, لقادرة ان تنجب أمثالهم ليحققوا أمل المسلمين فى استعادة القدس وفك أسر المسجد الأقصى من أيدى اليهود الأنجاس, وهو مايتطلب التخطيط الاستراتيجى متعدد الأبعاد على النحو التالى: أ) استراتيجية وقائية: تهدف الى منع اسرائيل من استثمار اجراءات ومحاولة اضفاء الشرعية على احتلالها للمدينة, واظهار القدس بأنها مدينة تحت الاحتلال وكجزء من الضفة الغربية المحتلة, ينطبق عليها ماينطبق على أراضى الضفة من قرارات دولية. وليس لليهود أى حقوق شرعية أو تاريخية فى القدس, وكشف حقيقة تاريخية مهمة تقرها كتب اليهود أنفسهم وهى أن أكبر فترة قضاها اليهود فى القدس عبر تاريخهم لم تتعد 97 سنة هى عمر مملكة اسرائيل حتى قضى عليها الأشوريون عام 721 قبل الميلاد, واقتلعوا شعبها ولم يعرف لهم أثر حتى اليوم (سفر الملوك الثانى 17). أما مملكة يهودا فقد قضى عليها الكلوانيون عام 586 قبل الميلاد وأخذوا اليهود سبايا الى بابل فى العراق, ثم تكرر ضرب اليهود وتشريدهم على أيدى العديد من القوى الاقليمية.. منهم الاغريق بقيادة الاسكندر سنة 332ق.م, والرومان سنة 63ق.م بقيادة بومبى الذى حكم أسوار القدس وخربها, والفرس فى سنة 40م, وفى عام 135م سحقت روما ثورة اليهود فى فلسطين, ومحيت تماما كلمتى اليهودية وأورشليم من القاموس الرومانى وأعيد تسمية الاقليم بفلسطين عاصمتها (إيلياء) على أنقاض مدينة القدس, وحرم الرومان آنذاك على اليهود دخول القدس أو حتى الاقتراب منها. وعندما فتح المسلمون القدس فى 636م طلب البطريرك (صفر وينوس) من سيدنا عمر بن الخطاب أن يتعهد له بألا يسكن القدس يهودى, وهو ماحوته العهدة العمرية. وعندما دخل الصليبيون القدس جمعوا اليهود فى كنيسة واحدة وأحرقوهم جميعا. يتضح لنا من هذا السرد التاريخى الموجز بأن تاريخ اليهود كله فى فلسطين هو الطرد والتشريد والأسر, وبالتالى نثبت كذب وبطلان ادعاءات مسئولى اسرائيل اليوم الذين يزعمون أن تاريخهم فى القدس يمتد الى 2000 عام. هذا ماينبغى ابرازه سياسيا واعلاميا على كل الساحة الدولية. ب) استراتيجية دفاعية: تستهدف الدفاع عن الهوية العربية والاسلامية للقدس, وذلك بالمحافظة على التراث الاسلامى فيها, بدءا بالمسجد الأقصى, وابقاءه فى أيدى الأوقاف الاسلامية, وانه ليس لليهود حق فيما يسمونه بحائط المبكى, فهو فى حقيقته الجدار الغربى للمسجد المعروف عند المسلمين بـ (حائط البراق) كذلك مساعدة مسلمى القدس على الاحتفاظ باراضيهم ومنازلهم ومدارسهم وسائر مؤسساتهم وأبرزها (بيت الشرق) لاسيما وأن التقارير تفيد بأن 40% من سكان القدس تحت الفقر. ومنع اليهود من شق الأنفاق أسفل المسجد الأقصى بكافة السبل, وتشجيع من هاجر من المدينة على العودة اليها. وابقاء قضية القدس مشتعلة سياسيا واعلاميا ودينيا فى جميع وسائل الاعلام العربية والاسلامية, بحيث يعيش كل عربى وكل مسلم فى مشارق الأرض ومغاربها قضية القدس, مع اعتبار يوم 30 يوليو الذى صدر فيه قرار الأمم المتحدة الخاص بالقدس يوما للقدس يحتفل به عربيا واسلاميا لتستمر قضية القدس حاضرة فى أذهان شعوب العالم جميعا, ومؤثرة فى صناع القرار السياسى اقليميا ودوليا. جـ) استراتيجية تعرضية: وتستهدف استعادة مدينة القدس تحت السيطرة العربية مرة أخرى, وذلك بجعلها على قمة أجندة المفاوضات بين الأطراف العربية والاسرائيلية. وإذا كانت اسرائيل تعتبر قضية القدس من الخطوط الحمراء التى لا ينبغى التفاوض حولها لكونها فى زعمهم عاصمة اسرائيل الموحدة والأبدية, وهى ادعاءات ومزاعم باطلة بجميع المقاييس من قبل من لا يملكون أى سند تاريخى أو قانونى لمزاعمهم, فإنه من الأولى والأجدى للعرب أصحاب القدس الحقيقيين عبر التاريخ أن يعلنوها واضحة للعالم كله ألا تفريط ولا تهاون ولا مساومة ولا مرونة ولا حلول وسط بشأن عودة القدس كاملة الى السيادة العربية, لأن الامر من البداية الى النهاية يمس قضية المقدسات الاسلامية التى تهون دونها الارواح فلا قيمة لنا بدون مقدساتنا, فإلى متى نقبل بتعطيل شعيرة من شعائرنا الاسلامية لا نستطيع القيام بها, وهى شد الرحال الى المسجد الأقصى كما أمرنا بذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم؟!. فى ذات الوقت الذى ينبغى فيها تكثيف العمل السياسى من أجل تصدير عوامل الانقسام والصراعات والخلافات الى داخل المجتمع الاسرائيلى, لاسيما وأن جذور التشتت والخلاف مزروعة فى هذا المجتمع منذ قديم الزمان, مصداقا لقوله تعالى: (بأسهم بينهم شديد, تحسبهم جميعا وقلوبهم شتى). وأخيرا ينبغى الا نتردد فى حالة فشل كل الجهود السياسية واستعادة القدس, بأن نحيى فريضة الجهاد المقدس التى أجبرت اليهود على الانسحاب المخزى من جنوب لبنان فى مايو الماضى, عندما مارست المقاومة اللبنانية هذه الفريضة بتخطيط وصبر واصرار. واذا كنا على يقين من الوعد الالهى بأن يستمر المسجدالأقصى وماحوله مباركا, فإنه ينبغى علينا كمسلمين وعرب أن نكون عند مراد المولى عز وجل منا, ليكون لنا شرف الوقوف فى هذا الأمر تحرير القدس والمسجد الأقصى من براثن اليهود الانجاس لتعود لنا خالصة نشد اليها الرحال كما أمرنا الرسول صلى الله عليه وسلم بذلك, وعملا بقوله تعالى: (ياأيها الذين أمنوا إذا لقيتم الذين كفروا زحفا فلا تولوهم الأدبار, ومن يولهم يومئذ دبره الا متحرفا لقتال أو متحيزا الى فئة فقد باء بغضب من الله ومأواه جهنم وبئس المصير). والحديث الشريف: (من مات دون أرضه فهو شهيد, ومن مات دون ماله فهو شهيد, ومن مات دون عرضه فهو شهيد).