الاجابة ليست بسيطة مثل بساطة السؤال. فالقدس مدينة زاخرة بالرموز والطقوس, وهي مخضبة بدماء العصور, على أرضها تصارعت الديانات واستشهد فى سبيل الدفاع عنها كثير من المؤمنين, وعلى أرضها وعبر العصور تصارعت الجيوش المحمولة على ألوية الايمان والطهارة والحق والحقيقة الواحدة الأبدية. باختصار وبدون تفاصيل تاريخية سجلتها الأرواح والدماء والصلوات والدعوات والأساطير والخرافات ايضا, فالقدس مدينة القداسة لأديان ثلاثة جاءت لهداية البشرية بعضها اختص اليهود, وبعضها النصارى, أما الاسلام فجاء لكل البشرية. على أرض القدس كنيسة القيامة , وعلى أرضها المسجد الأقصى ثاني مسجد وضعه الله فى الأرض لعبادته بعد المسجد الحرام. من أجل كل ذلك تعتبر قضية القدس واحدة من أعقد قضايا المفاوضات الفلسطينية الاسرائيلية بسبب القيمة الروحية التاريخية والسياسية بالنسبة للعديد من الأطراف على مستوى الديانات الثلاث الكبرى (اليهودية, المسيحية, الاسلام). ولعل صعوبة المفاوضات حول القدس تأتى من عدم قدرة أى زعيم عربى أو اسلامى أو يهودى أن يقدم تنازلا فى تلك المفاوضات خشية غضب الجماهير وخشية حكم التاريخ المشحون بوطأة الأحداث المعبر عنها حول ذلك الموقع وتلك المدينة المقدسة, فالمزيج المصنوع من التاريخ والمطلق الالهى جعل الشاعر الصهيونى المتطرف يهودا أميخاى وهو من سكان القدس يقول: رأيت يوما حبيبين يتعانقان فى القدس, فطلبت منهما أن يكونا على حذر لأن كل حسب قدرته يتحول الى ديانة جديدة). فهل من الممكن ان يخرج حل من وسط جيولوجيا التاريخ والدين والدماء والشهادة والمطلق والنسبى فى الحياة؟ فلنبدأ القصة من أولها. تطورات وضع القدس: من مجلس الأمن صدر القرار 181 بتقسيم القدس, وقد عبر القرار عن اعطاء وضع الكيان المنفصل بصورة مستقلة عن الدولتين اليهودية والعربية, حيث نص على تدويل القدس بسبب طابعها الخاص وأهميتها بالنسبة للديانات الثلاث وقد عبر عن ذلك وزير خارجية الفاتيكان عند لقائه بوزيرة الخارجية الأمريكية مادلين أولبريت منذ أيام قليلة, واعمالا للقرار قام مجلس الوصاية التابع للأمم المتحدة بإدارة المدينة لمدة عشرة أعوام. وفى حرب 1948 لم تكتف اسرائيل بالسيطرة على الاراضي المخصصة لها بموجب قرار التقسيم, ولكنها استولت بالاضافة لذلك على أرض الدولة العربية التى حددها القرار, كما استولت على الجزء الغربى من مدينة القدس وفى فترة مابعد الحرب ,1948 ظل الجزء الشرقى من مدينة القدس خاضعا للسيطرة الأردنية. وفى حرب 1967 أكملت اسرائيل مخططها للاستيلاء على كل القدس, أى على الجزء الشرقى الذى كان تحت سيطرة الأردن. وعملت منذ ذلك الحين على التهويد الكامل للقدس الشرقية, حيث بدأت حركة استيطانية صهيونية نشطة فى القدس, وكان ذلك بهدف تقليص الوجود العربى البشرى والجغرافى وحتى الطوبوجرافى. وفى عام 1980 قررت اسرائيل ضم القدس الشرقية بموجب تشريع خاص, ونقل عاصمة الدولة الى القدس, الا ان مجلس الأمن أدان هذا الاجراء بموجب القرار 478 الذى يعتبر القدس اراضي محتلة لا يجوز للمحتل ان يفرض سيادته عليها. الا أن سياسة الاستيطان الاسرائيلية فى القدس شكلت خطرا حقيقيا على عروبة القدس وعلى حدود القدس المعترف بها, حيث تم استيعاب معظم المستوطنات الموجودة فى حدود بلدية القدس تحت مظلة التغيير الادارى فى حدود القدس. وقد جرت صياغة تلك الخطة فى ظل حكومة الليكود بقيادة نتانياهو, وتنطوى هذه الخطة على ادخال مايقرب من 24 ألف مستوطن يسكنون حوالى عشر مستوطنات الى داخل القدس وذلك من خلال توسيع حدود القدس من 123 كم مربع الى 600 كم مربع. أى أن القدس الموسعة سوف تمثل 6.10% من مساحة الضفة الغربية, بدل ما كانت تمثل 2.2% من الضفة الغربية ومن المعروف ان اسرائيل عندما قامت بضم القدس الشرقية الى القدس الغربية لتصبح القدس الموحدة كانت قد عينت لجنة برئاسة نائب وزير الداخلية آنذاك وعضوية ممثلين عن دائرة التخطيط مابين المطالبين بضم مساحة أكبر من الأرض وبين المطالبين بالتنقل,وتم الاتفاق على ضم 18 ألف هكتار, وكان خلف ذلك منطلقان هامان من وجهة نظر الخبراء الصهاينة, أولهما تقليص عدد السكان العرب مقارنة باليهود بعد توحيد القدس, وثانيهما ضمان السيطرة على رؤوس التلال ومرور خط الحدود عبر أودية دفاعية, ومن المعروف أيضا من الأرقام الرسمية أن العرب فى عام 1967 كانوا يمثلون نحو 26% من مجموع سكان القدس, وفى بداية الثمانينيات كانوا 28% مقابل 72% يهود, وفى بداية عام 1993 كانت النسبة 2.28% مقابل 8.71% يهود وفى عام 1995 وصلت النسبة الى 29% عرب مقابل 71% يهود. ومن ناحية أخرى سعت اسرائيل الى تجنيس الفلسطينيين فى القدس واعطائهم المواطنة الاسرائيلية, وذلك بهدف استكمال مخطط طمس الهوية, وتعود جذور هذا الاجراء الى ان اسرائيل لم تكن تمنح المواطنة لسكان القدس من العرب بعد احتلال القدس الشرقية, انما كانت تمنحها للسكان الدائمين الذين يحق لهم حمل الهويات الاسرائيلية, التى تتيح لحامليها فرصة التجوال فى جميع مناطق اسرائيل لكنها لا تتيح لهم الحصول على جواز سفر اسرائيلى وممارسة حق الانتخاب فى الكنيست. وبعد صدور قرار ضم القدس الشرقية الى القدس الغربية واعتبارها عاصمة موحدة لاسرائيل تم عرض المواطنة الاسرائيلية على المقدسيين وبعد الاتفاق الأردنى الاسرائيلى قبل حوالى 5000 مقدسى المواطنة الاسرائيلية بعد أن زال المنع الأردنى لدخول حاملى جوازات السفر الاسرائيلية تلك. ولم تكتف اسرائيل بتهويد الأرض والانسان والجغرافيا, انما عملت على تقليص الوجود الديموجرافى الفلسطينى فى القدس, وذلك عبر عدم التصريح بالموافقة على البناء الفلسطينى فى المدينة مما يضطر الشباب الى الهجرة خارج القدس ممايسلبهم هويتهم المقدسية. حيث أصدرت الحكومة الاسرائيلية قانونا يحدد معايير المقدسيين وذلك عبر النص على أن من يتغيب 7 سنوات عن مدينة القدس من ساكنيها يفقد حق المواطنة. والسؤال المهم الآن هو: كيف يتفاوض المفاوض الفلسطينى؟ وماهى الأسانيد التى يستند عليها المفاوض, وعلى أى قدس سوف يفاوض؟ اسئلة معقدة تحيط بمدينة السلام التى حوصرت وفتحت سبعا وثلاثين مرة, كما تقول احدى الروايات. فى المفاوضات بشأن القدس يستند المفاوض الفلسطينى أولا على عدم قدرته على التنازل عن حق للمسلمين والمسيحيين فى عالم المتدينين وعن حق عربى فى عالم الهوية والانتماء وعن حق قانونى مسنود بترسانة من الأسانيد القانونية التى تعزز الحقوق الفلسطينية 0فمن الناحية القانونية يعتبر الاحتلال الاسرائيلى للقدس الشرقية مناقضا للقانون الدولى الانسانى والقانون الدولى الحربى, كما أن الاجراءات الاسرائيلية فى القدس الشرقية تخالف الوضع القانونى للأراضى المحتلة. وكان مجلس الأمن الدولى قد أصدر عددا ضخما من القرارات التى تؤكد وتعزز الحقوق الفلسطينية فى القدس وهى القرارات (250) , (251), و(252), (267), (298), (465), (478), (672), (673), (904) وتؤكد هذه القرارات على أن جميع الاجراءات الادارية والتشريعية التى قامت بها اسرائيل, بما فى ذلك مصادرة الاراضى والأملاك هى اجراءات باطلة, ولا يمكن أن تغير وضع القدس0 فى مقابل ذلك الدعم الدولى المسند بتلك القرارات الصادرة عن مجلس الأمن, يقوم الموقف الاسرائيلى فى المفاوضات على التمسك بوحدة القدس كعاصمة لاسرائيل, وهو موقف تشترك فيه كل اسرائيل من يمينها الى يسارها من المتدينين والعلمانيين من الحريديم حتى شينوى وميرتس. كما ترفض اسرائيل الاعتراف بمرجعية القرارات الدولية الصادرة بشأن القدس. والسؤال الآن حول أى قدس يتم التفاوض, حيث هناك حسب رأى د.وليد الخالدى المؤرخ والخبير الفلسطينى الأشهر خمس اقداس: القدس الأولى: البلدة القديمة داخل الأسوار فى الطرف الشرقى من حدود الهدنة لعام 1967 وهى التى تضم كنيسة القيامة وحائط المبكى والحرم الشريف بمسجديه الأقصى وفيه الصخرة. القدس الثانى: هى الحدود البلدية القديمة بالاضافة الى أحيائها الشمالية والجنوبية وهذه كانت القدس العربية فى عام 1967 وعند بداية الحرب. القدس الثالثة: هى القدس الغربية ضمن الحدود البلدية الاسرائيلية غرب حدود الهدنة لعام 1967 والتى كانت عاصمة اسرائيل حتى 1967. القدس الرابعة: هى الحدود الموسعة شرق حدود الهدنة, والتى تضم القدسين الاولى والثانية وتبلغ مساحتها ما بين خمسة وستة اضعاف القدس الثانية وأراضيها ضمت قسرا من أراضى الضفة الغربية. القدس الخامسة: هى حدود تخطيط المدينة حول القدس الرابعة وتضم خمسة أضعاف القدس الرابعة وتعادل مساحتها 15% من اراضي الضفة الغربية. اذن فى مقابل الموقفين التفاوضيين الفلسطينى والاسرائيلى, لابد أن تكون قنوات المفاوضات فى كامب ديفيد الثانية وماقبلها من مباحثات سرية وعلنية, قد أفرزت بعض الحلول التوفيقية المطروحة من الجانب الاسرائيلى عبر معاهده العلمية وعبر الولايات المتحدة الأمريكية كشريك وراع للتفاوض. ومن أشهر الدراسات الخاصة بالقدس فى مفاوضات الوضع النهائي (دراسة دورى جولد الصادرة عن مركز يافي للدراسات الاستراتيجية, وفيها القدس تعني الحدود البلدية الحالية التي رسمت عام 1967 (القدس الغربية والقدس الشرقية وأجزاء من الضفة الغربية ضمت للقدس) ومن المعروف أن الفلسطينيين العرب لايعترفون بهذه الحدود لمدينة القدس, فمن وجهة نظرهم أن بعض الأحياء التي بنيت على الخط الأخضر, مثل راموت وحيلو, ليست جزءا من القدس, بل مستوطنات في الضفة الغربية. ويقول دوري جولد: إذا تجاوزنا عن المسألة الجغرافية فإن في الامكان مناقشة موضوع القدس على ثلاثة مستويات مختلفة: هناك المستوى السياسي المتعلق بمسألة السيادة على المدينة, أو على مختلف أجزائها. وترتبط بالسيطرة السياسية المسألة الديموجرافية, وعلى الأرض, فالسيطرة السياسية تتضمن السيطرة الديموجرافية, التي تقلص بدورها الخيارات السياسية الممكنة في النهاية في أية تسوية نهائية. المقصود طبعا من كلام دوري السابق أن اسرائيل لها السيادة على القدس لانها ذات الأغلبية السكانية في القدس الغربية والشرقية. ويقول أيضا: يمكن مناقشة مسألة القدس على المستوى الديني المتعلق بادارة الأماكن الدينية اليهودية والاسلامية والمسيحية, أو السيطرة عليها أو حمايتها. وأخيرا هناك المستوى البلدي للحكومة المحلية في القدس. ومن هنا فإن الحل الجغرافي لمسألة القدس هو أقرب الحلول استجابة لمنظمة التحرير بمعنى سيادة فلسطينية على القدس الشرقية مع اعطاء كافة الضمانات لليهود بشأن حائط المبكى إلا أن هذا الحل لا تقبل به اسرائيل ولا الرأي العام الاسرائيلي. وفعلا, يوضح د. يهودا بن مئير هذه النقطة.. بوضوح في دراسة صدرت له حديثا عن القدس يقول فيها: (إن أية محاولة تقوم أية حكومة اسرائيلية بها لاقتراح تقسيم القدس, أو اقتراح أن تكون المدينة عاصمة لأي كيان آخر, سيتم رفضها بعنف من قبل الرأي العام الاسرائيلي, ومن قبل اليهود في جميع أنحاء العالم, وستسبب أزمة كبرى بين اسرائيل ويهود العالم) ومن هنا فمن المستبعد جدا ايجاد حل لمسألة القدس مقبول من جميع الأطراف في الشرق الأوسط وأن الحل الديني له نصيب أكبر من النجاح, كما أن الحل البلدي له نصيب هو الآخر إلا أن الحل الجغرافي سيكون من الصعب الاتفاق عليه. وفي اعتقادنا هناك مشاهد متعددة أخرى لتخليق تصورات وسيناريوهات تعتمد على ما يسمى بالسيادة المشتركة على القدس, أو تعتمد على اعطاء حقوق بلدية لبعض الأحياء للسلطة الفلسطينية أو اعطاء اجزاء من القدس الموسعة وهى القدس الخامسة من حيث الجغرافيا لتكون عاصمة لفلسطين, كما أن هناك حلولا من قبيل رفع العلم الفلسطينى على الأماكن المقدسة الاسلامية والمسيحية بالتشارك مع الفاتيكان التى تطالب بوضع المناطق المقدسة تحت السيادة الدولية. والسؤال المطروح الآن: هل يمكن أن تدمر مسألة القدس باقى العملية السلمية؟ وأخيرا مامن أحد ممن يعرفون تاريخ المدينة ورمزيتها يجرؤ على كتابة الفصل الختامى للعرض. * كاتب وباحث مصرى