معظم الأزمات الدولية التي رعت الولايات المتحدة مؤخرا عمليات التسوية الخاصة بها, لاتحظى بالرضا بين أطرافها ولم تتخط أطوار الخطورة وهي معرضة للاهتزاز مجددا. وتسير واشنطن على النهج ذاته في ادارتها لتسوية القضية الفلسطينية. قبل مرور زهاء عام واحد على تسوية أزمتي كوسوفو وايرلندا (يونيو وسبتمبر 1999 على التوالي) راحت نذر التوتر تتجمع بكثافة في أجواء المنطقتين. في كوسوفو, عادت أخبار الاحتكاك بين الصرب والألبان, التي تتضمن أحيانا, ما يفيد عن وقوع قتلى وجرحى من الجانبين. ولم تجد قوات الأمم المتحدة بدا من تقسيم مدينة ميتروفيتشا على اساس عرقي. وقد نال هذه القوات الكثير من التهجم.. فالأمريكيون متهمون بالانحياز ضد الصرب والتعدي عليهم. والروس والفرنسيون متهمون بالافتئات على الألبان. ويفهم من النداءات الصربية والألبانية أن لهما تفضيلات مختلفة تجاه قوات حفظ السلام الدولية. لايختلف حال التسوية الايرلندية كثيرا, فالفرق المتنازعة باتت تتبادل القصف الكلامي والتلاوم. بما ينذر بعودة الاحتكام الى العنف. يجمع بين قضيتي كوسوفو وايرلندا أنهما ينتميان الى مخلفات عهود الاقتتال والتدافع الأوروبي الداخلي, الذي دار مطولا بين الملل والنحل, وأنشأ ظواهر فيها شبهة الاستعمار الاستيطاني في القارة الأوروبية. من الصرب في كوسوفو والبروتستانت في ايرلندا. ومن الفروق النسبية بين الحالتين شدة التباين العرقي الديني في كوسوفو, فيما يغلب على الجماعات الايرلندية التنابذ من منطلقات دينية. غير أن تداعيات هذه الفروق لا تلاحظ على مستوى الأهداف التي تتوخاها الأطراف, ولا بالنسبة لصعوبة التعايش وتجدر عدم الثقة بينهم هنا وهناك. إن ألبان كوسوفو, شأن كاثوليك ايرلندا, يتطلعون الى ابعد من الحكم الذاتي. ويتجه صرب كوسوفو وبروتستانت ايرلندا الى صربيا الكبرى وبريطانيا على التوالي, تحت شعارات اتحادية. نحن في الحالتين بصدد صراع اجتماعي ممتد, تتداخل في مضاعفاته الأبعاد العرقية والدينية وصيرورة الهوية وتعريف الذات والآخر . ولايبدو أن التفاعلات الداخلية لأجيال, نزعت مصادر التباغض أو أسست للتعامل بوحي فكرة المواطنة المتساوية, ومن المؤكد أن العواطف والجوامع العرقية والدينية قد أدت الى ردف المتنازعين, داخل الاقليمين المذكورين, بمدد من الخارج, بما قاد بالتداعي الى تعظيم حجم الصراع في الحالتين وربطه بأهواء ومصالح اقليمية ودولية بالغة التعقيد. لقد قامت تسويات 1999 في الحالتين على افتراضات من السهل تقويضها. كامكانية التعايش السلمي الاجباري بين الفرقاء (ايرلندا بالذات), أو كسر شوكة الطرف الباغي بالقوة (كما حدث مع الصرب). ومثل هذه الحلول لاتناسب تماما نوعية الصراعات المحتدمة بمصادرها الموجزة أعلاه. ولذلك شكك الكثيرون في ديمومة التسويتين, وصدق الواقع هذه الشكوك سريعا. على أن أبرز ملامح التسويتين المعيبتين هاتين, المداخلة الأمريكية القوية في إنجازهما على الصعيدين السياسي والعسكري. وكان العامل الأمريكي أكثر حضورا في إكراه أطراف أزمة كوسوفو على التسوية, بعد حملة عسكرية غطاها الناتو. ولاشك أن تلازم ظهور الخلل وعدم الاستقرار في هاتين التسويتين مع الدور الأمريكي, يدعو للاشتباه في هذا الدور وعدم الثقة في جدواه. وما يعنينا أكثر في المقام, إمكانية المشابهة بين مسببات الصراع في كوسوفو وايرلندا من جهة وفلسطين من جهة أخرى. فثمة الامتداد الاجتماعي التاريخي لهذه الصراعات, وانطوائها جميعا وإن بدرجات متفاوتة على خصائص الاستعمار الاستيطاني, وتعامد القومي بالديني بالطائفي فيها, واذا كانت المداخلة الأمريكية على خط تسوية أزمتي كوسوفو وايرلندا قد أذنت بالفشل, وثبت أنها أقرب الى عمليات التسكين والتهدئة, فما الذي يبشر بنتائج مغايرة على صعيد الحالة الفلسطينية؟ المقاربات الأمريكية لتسوية الأزمات الدولية, تكاد تحاكي أسلوب (التيك أوي) وليس من الخبث بالكلية أن تتلصص الشكوك حول النوايا الأمريكية من وراء هذه التسويات المسلوقة, التي تتعامل مع القشور وتنحي الجذور, فمثل هذه المعالجات تسمح بنظر البعض الى استمرار الداء, ومن ثم, الحاجة المتجددة للشريك الأمريكي, الذي يعرف كيف يدير القضايا وفق مصالحه وخياراته. بمرور الوقت نوقن أكثر بأن التسوية الأمريكية لقضية فلسطين, لن تكون بدعا من النمط الأمريكي لتسويات ما بعد الحرب الباردة. فواشنطن تهمل عن ترصد واصرار تراث الشرعية الدولية فضلا عن نبذها تماما لفكرة الشرعية التاريخية. وقد فاض بها الكيل من التمنع العربي الفلسطيني المحدود للإ قبال على التسوية المطروحة, فراحت تهدد وتتوعد. وليس على من يود استشراف مستقبل المداخلة الأمريكية الخرقاء لهذه القضية المعقدة, سوى تأمل ما جرى في نماذج البوسنة وكوسوفو وايرلندا الأهون بكثير من الحالة الفلسطينية. * كاتب فلسطيني ـ القاهرة