القدس هي (وجع قلب المسلمين) المزمن (زهرة المدائن) المخطوفة والمغتصبة بعد كل صلاة في (كنيسة القيامة) محطة (المعراج) الى السماء المهددة بالتحول الى (بيت رهونات) يهودي (قبة الصخرة) الصارخة بالحزن واليأس والخوف من أن يكتموا أنفاسها ببناء هيكل سليمان فوق أنقاضها حائط المبكى الجديد لكل من يقرأ الفاتحة في الصباح ولكل من ينتظر عودة المسيح المخلص قبل أن يغلق عينه على أحلام ما قبل النوم. إن الله خص القدس بتسعة أعشار الروعة ووزع العشر الباقي على العالم كله وخص القدس بتسعة أعشار الألم ووزع العشر الباقي على العالم كله وهو ما جعلها مدينة من نوع خاص لم تتكرر في ذاكرة التاريخ ولم تولد من قبل ولن تولد من بعد في خرائط الجغرافيا مدينة غير مستقرة تتأرجح دائما بين المتعة والعذاب بين الخشوع والاحتلال بين الثروة الروحية والثروة السياسية. وقد بدأ مشوار الوجع الأخير في قلب القدس بعد أن (غرزت) الأمم المتحدة سكين التقسيم في قلبها وشطرتها الى نصفين في عام 1947 وكأن مدينة الله العتيقة كعكة إسفنجية لا مدينة سماوية ثم أصبح الوجع لا يطاق بعد أن داسها الجنود الاسرائيليين السوداء الثقيلة في عام 1967. في ذلك الوقت فاض الدمع على أغلى المدن وأكثرها جمالا وأوفرها عذابا وأقلها حظا لكن الأمل في انقاذها ظل حيا وحاضرا ولم يخفت وينحسر إلا بعد معاهدة (كامب ديفيد) الأولى فقد تحولت في ذيل المعاهدة الى مجرد رسالة من حزمة رسائل متبادلة بين الرئيس الأمريكي جيمي كارتر والرئيس المصري أنور السادات وثبت فيما أن هذه الرسالة كانت نوعا من (البنج) المؤقت أو أشبه بعلاج سرطان الدم (اللوكيميا) بقرص (اسبرين) وثبت فيما بعد أيضا أن هذه الرسالة لاتساوي ثمن الحبر التي كتبت به ولا ثمن الورق التي طبعت عليه. وفي (كامب ديفيد) الثانية وضع فريق التفاوض الأمريكي الاسرائيلي عصابة سوداء على عينيه فلم ير آيات الله في حجارة القدس ولم يسجد لمعجزاته في طرقاتها ولم يحسوا بوجوده في قبابها وعندما حاول فريق التفاوض العربي أن يزيل الغشاوة ويعيد الكرة من ملعب الثروة العقارية الى ملعب الثروة الروحية سارعوا بتوجيه التهمة الجاهزة والمعلبة إليه تهمة التعصب والتطرف واستغلال الاسلام في اللعب بالسلام وتحريض المؤمنين المسلمين والمسيحيين بتسخين الاعلام على وضع المصالح الأمريكية والاسرائيلية في قبر من رخام. وتهمة التعصب والتطرف واستغلال الدين في الصراع السياسي هي واحدة من الأطباق الرئيسية الثابتة على (قائمة طعام) السياسة الخارجية الأمريكية ليس على الادارة في واشنطن سوى اخراجها من (الفريزر) وتسخينها واغراقها بالمايونيز والكاتشب والمسطردة (وباقي المشهيات التي تسبب عسر الهضم) وإجبار كل من يقف في وجه المصالح الإسرائيلية في الشرق الأوسط على تناولها مرة واحدة ودون مهضمات أو مهدئات. وربما سيكون مثيرا للدهشة والاستغراب أن نعرف أن الأمريكيين هم (خبراء). هذه اللعبة وسادتها منذ فشلهم في التنبؤ بالثورة الاسلامية في إيران, لقد راحت الادارة الأمريكية تتصرف بعد سقوط الشاه (مثل كلب كبير صدمته شاحنة) والتعبير ليس لنا وإنما لباحث في وكالة المخابرات المركزية هو (روبرت جرفيس) كتبه في دراسة سرية من مئة صفحة عنوانها (إيران بعد الوفاة) اقتصر توزيعها على صانعي القرار هناك, وأهم ما فيها: أن الحسابات السياسية الباردة والساذجة المتغطرسة للسياسة الأمركية في الشرق الأوسط لم تصدق أن (المشاعر الدينية يمكن أن تكون في هذه المنطقة أشد ضراوة من القوة العسكرية والأمنية والنووية) و(أن المعارضة الاسلامية هي في حقيقتها معارضة سياسية). ولأن الادارة الأمريكية لم تستوعب ذلك مبكرا فقد بقيت مطمئنة الى أن (إيران ليست في وضع الثورة أو في وضع ما قبل الثورة) وبينما كانت الادارة الأمريكية (نائمة في العسل) كان نظام الشاه (طفل المخابرات المركزية الملوث على حد وصف الدراسة) يتهاوى من نخر السوس ونحر الفساد في أركانه. ولكن بدلا من أن تستوعب الادارة الأمريكية الدرس قررت استيعاب الحركات الدينية وتصرفت على طريقة الكاوبوي أو رعاة البقر وقفزت على ظهر القوة الاسلامية المتنامية دون أن تدرك أن من يمتطي ظهر النمر لايمكن أن ينجو من أنيابه ودون أن تدرك أن الرقص مع الذئاب ليس مأمونا إلا على شاشة السينما ولم تستوعب الدرس الذي دفع الرئيس أنور السادات حياته ثم ناله, فغرور القوة يصور لأصحابه أنهم لن يصابوا بالأذى نفسه. وهكذا تلقت المخابرات المركزية الأمريكية في يناير عام 1979 تكليفا من الدكتور (زينجينو بريجينسكي) مستشار الرئيس الأمريكي الأسبق (جيمي كارتر) للأمن القومي باعداد دراسة عن الحركات الاسلامية في العالم العربي على أن تعتمد هذه الدراسة على اتصالات تجري في السفارات الأمريكية مع قيادات هذه الحركات) حتى تعرف الادارة الأمريكية أفضل الأساليب للتعامل معها وحتى لاتتكرر مفاجأة الثورة الاسلامية في ايران. وفي إحدى الوثائق الأمريكية التي استولى عليها الطلبة الإيرانيون أثناء احتلالهم للسفارة الأمريكية في طهران (الوثيقة رقم 1429 بتاريخ 23 يناير 1979 الصادرة من السفارة الأمريكية في القاهرة) أن الرئيس السادات لم يقبل (القيام بهذه الدراسة لأن موضوعها حساس جدا بالنسبة للمصريين) ونصح السادات الأمريكيين (بتوخي الحذر لأن اليمين المسلم أكثر يقظة الآن من أي وقت مضى فيما يتعلق بهذا النوع من الدراسات) واقترح السادات (أن تستند الدراسة على مصادر حكومية مصرية) وعندما رفض الأمريكيون اقتراح السادات خرج ليقول علنا في 15 ابريل 1979: (هم عايزين التلمساني) كان السادات يتحدث في اجتماع مع رؤساء وأساتذة جامعتي أسيوط والمنيا ويرد على ما كتبه عمر التلمساني (المرشد العام للإخوان المسلمين في ذلك الوقت) في مجلة (الدعوة) عن (خطة أمريكية للقضاء على الجماعات الاسلامية) ولم يفهم الذين سمعوا السادات أنه يقصد الأمريكيين بقوله (هم عايزين التلمساني). وتكشف الوثيقة نفسها أن اتصالا جرى بين عمر التلمساني ورجال المخابرات المركزية في السفارة الأمريكية وتضيف الوثيقة: (إن هذه الاتصالات يجب أن تعزز بعناية وبشكل سري) ثم تستطرد: (إن الأصوليين المسلمين ينظرون بعين الشك الى الولايات المتحدة) بسبب (اهتمامهم بقضية القدس) وهم يلومون أنفسهم لعجزهم عن القيام بأي عمل يعيد القدس ويلومون السادات على فشل السادات في (كامب ديفيد) في الحصول على تعهد باستعادة القدس الشرقية بل إن اسرائيل بعد (كامب ديفيد) ازدادت تشددا وأعلنت القدس عاصمة أبدية وموحدة للدولة اليهودية. وتنبه الوثيقة التي يزيد عمرها الآن على 20 سنة وكنت أول من نشرها في كتاب صلاة الجواسيس الى أنه من المتوقع دائما (إثارة حفيظة اليمين المسلم كما قامت اسرائيل بالاعتداء على المقدسات الاسلامية في القدس). وانتهت الوثيقة الى ضرورة (وضع المسلمين المتشددين في مصر تحت المراقبة لأنهم يشكلون أحد مفاتيح الاستقرار السياسي في المستقبل) وفي الوقت نفسه على واشنطن (أن تلين موقفها تجاههم ولا تبالغ في الحديث عن بدائيتهم) وعليها أيضا أن (تعزز جهودها لتطوير وتطويع الحوار مع الجماعات والتيارات الدينية خاصة الإخوان المسلمين). ووجدت الادارة الأمريكية والمخابرات المركزية فرصة ذهبية في أفغانستان لمد جسور الود والتعاون بينهما وبين الحركات الاسلامية, إن اليمين الديني لايجد خلافا جوهريا بينه وبين اليمين الأمريكي خاصة عندما يكون العدو والخصم هو الاتحاد السوفييتي, وهكذا بدأت صيحات الجهاد ضد المشركين والملحدين في أفغانستان, ثم تحولت الصيحة الى مركز تدريب لشباب من مختلف العالم العربي والاسلامي في معسكرات خاصة للمخابرات المركزية خرج منها حوالي 20 ألف مقاتل على مستوى عال من الكفاءة في التخريب وحرب العصابات ساهموا في اخراج السوفييت من أفغانستان ولكن نهاية الحرب في أفغانستان كانت بداية لحروب أخرى أهلية في الجزائر وتونس والكويت والسعودية ومصر وتوالت الانفجارات والاغتيالات ولعلع الرصاص وجرى الدم أنهارا وفقد آلاف من الناس حياتهم وفقد ملايين من الناس أرزاقهم ولم يخرج أحد في الادارة الأمريكية ليعترف بالذنب ولا بالندم ولا بأنهم هم الذين زرعوا شرور التعصب والتطرف واستغلال الدين في السياسة وأننا نحن الذين دفعنا الثمن. قبل ذلك لم يتردد الأمريكيون في استخدام الدين في كثير من الأحيان في إجبار العرب على ركوب قطار التسوية السلمية مع اسرائيل. إن هناك وثيقة أمريكية أخرى تشير الى أن بعض الحكام العرب أثناء مقاطعة العرب لمصر بعد كامب ديفيد طلبوا من السفير الأمريكي الأسبق في القاهرة (هيرمان أيلتس) وزميله في الخارجية الأمركية (روبرت شتراوس) التخلص من السادات ومناحم بيجن وكان تفسيرهم: (أن طبيعة العرب الانفعالية والشخصية تجعلهم يقبلون سياسة ما من شخص ما ويرفضون السياسة نفسها من شخص آخر) والمعنى أن إزاحة السادات سيزيل الثأر الشخصي بينه وبين العرب وأنه سيذهب حاملا كل الأوزار بمفرده وهو ما يجعل من السهل على العرب الوقوف في طابور التسوية وقد كان رأي شتراوس: (إن إقصاء بيجين عن الحكم في اسرائيل أمر ممكن بحكم التركيبة السياسية في اسرائيل والتي تتيح التدخل في الحكم بلعبة الانتخابات والديمقراطية وسحب الثقة, أما إقصاء السادات عن الحكم في مصر فأمر صعب لأكثر من سبب أنه وجه لامع في المجتمع الدولي خاصة بعد مبادرة السفر الى اسرائيل ثم أنه لايزال أقوى الضعفاء في العالم العربي ويتمتع بشعبية لا بأس بها في بلاده) جرى ذلك الحوار في ربيع عام 1979 وما أن جاء خريف 1981 حتى كان السادات قد فقد أعصابه ودفع للانتحار ثم فقد حياته بالاغتيال فهل كان هناك من ساهم ولو بطريق غير مباشر في تدهور العلاقات بينه وبين كافة رموزالقوى والجماعات الدينية والسياسية في مصر؟ هل هناك من حول قوته الى ضعف وشعبيته الى فراغ وبريقه الدولي الى ظلام؟ هل نفذت خطة أمريكية ما للتخلص منه برصاص تنظيم الجهاد المتشدد لفتح الطريق أمام العرب للحاق بكامب ديفيد؟ أغلب الظن أن الإجابة ستكون: (نعم). وفي الوقت نفسه نفذت خطة سرية أخرى في العالم العربي تعتمد على فتح ثغرات في مناطق الضعف في الدول التى رفضت التسوية السلمية مع اسرائيل وتضمنت الخطة إثارة الاضطرابات والقلاقل والمشاكل الداخلية والنعرات الدينية والطائفية فيها وكان الهدف أن تنشغل هذه الدول بأمورها الذاتية وتكف عن النظر خارج حدودها الى مشكلة الصراع العربي الاسرائيلي المزمنة. في تلك الفترة زادت حدة حرب الصحراء بين الجزائر والمغرب وطفت على السطح مشكلة (الجوف) بين تونس وليبيا وعاشت تونس مواجهات دامية بين الحكومة والعمال وفي الأردن تحرك الطلاب ضد الحكومة ولوحت واشنطن بقطع المعونة عن الملك حسين حتى لا يتمادى في رفضه لمعاهدة كامب ديفيد ووجدت سوريا نفسها في مشاكل أمنية وفي الكويت وقعت اضطرابات في الجامعة وفي العراق وجد النظام نفسه متورطا في حرب دينية بينه وبين النظام الجديد في ايران وفي السعودية جرت لساعات العملية المتهورة لاحتلال المسجد الحرام في مكة وكان ذلك في يوم الثلاثاء 20 نوفمبر 1979 وفي ذلك اليوم كان مؤتمر وزراء خارجية الدول الاسلامية مجتمعا لتقرير تعليق عضوية مصر. وقبل ذلك استخدم الأمريكيون شركة بريطانية للانتاج السينمائي لتقديم الفيلم الذي أثار ضجة سياسية هائلة فيلم (موت أميرة) وكان الهدف توجيه ضربة للسعودية لأنها اقضيت معاهدة كامب ديفيد ويثبت إدوارد سعيد في كتابه (تغطية الاسلام) نقلا عن صحيفة (واشنطن بوست) أن المخابرات الأمريكية كانت وراء هذا الفيلم ويبدو أن هذه الحقيقة هي التي جعلت صحيفة (الجزيرة) السعودية تنشر واقعة جرت في صالون فندق (رويال جاردن) حيث هتف رجل أعمال انجليزي أضيرت مصالحه التجارية بسبب الأزمة التي سببها الفيلم بين بريطانيا والسعودية: (يا إلهي أتمنى أن أعرف من وراء هذا الفيلم؟ فأجابه رجل أعمال آخر كان يجلس على يمينه: (كامب ديفيد)!. وقد توصلت صحيفة (الرياض) السعودية أيضا الى هذه الحقيقة عندما سخرت من الفيلم قائلة: (إنه من إنتاج بريطانيا العظمى بطولة (الرئيس الأمريكي) جيمي كارتر و(رئيسة الحكومة البريطانية) مارجريت تاتشر وقصة وسيناريو وإخراج المفكر اليهودي هنري كيسنجر. وقبل ذلك دفع الملك فيصل على ما يبدو حياته ثمنا لأمنية خشي الأمريكيون أن تتحقق ـ أمنية الصلاة في القدس ـ وكان الدور الذي لعبه مستخدما البترول كسلاح سياسي موجع بعد حرب أكتوبر 1973 يوحي بأنه قادر على الضغط لتحقيق أمنيته, فكان لابد من اغتياله وفي يوم الثلاثاء 25 مارس 1974 قتل الملك فيصل برصاص ابن أخيه فيصل بن مساعد وهو في مجلسه بالرصاص, والقاتل كان يعيش حياته في الولايات المتحدة ويعتقد البعض أنه تعرض لغسيل مخ هناك للقيام بجريمته ولو صحت هذه النظرية فإن خبراء محو الذاكرة في (لانجلي) مقر المخابرات المركزية قد استغلوا هوسا دينيا متناميا عند القاتل للتخلص من حاكم السعودية العنيد الذي كان مصرا على الصلاة في القدس. ولم يتردد الاسرائيليون في أن يلعبوا نفس اللعبة وأن يستخدموا الدين في السياسة, إن بعض التنظيمات الدينية المتطرفة خرجت من تحت عباءة المخابرات الاسرائيلية لتنشيط الصراع الداخلي بينها وبين منظمة التحرير الفلسطينية أو السلطة الفلسطينية فيما بعد ولو كانت هذه المنظمات المتشددة انقلبت على من شجعها وحمسها فهذا من طبيعة الأمور مع التنظيمات الدينية عموما طبقا لنظرية أن من يركب النمر لايمكن أن ينزل من فوق ظهره دون أن يفقد حياته. لقد عرف الأمريكيون والاسرائيليون لحن التعصب والتطرف واستعمال الدين في السياسة ـ ركبوا فوق ظهر النمر ـ واستخدموا أنيابه ومخالبه في تصفية خصومهم, ولكن جاء الدور عليهم ليحصدوا ثمار ما غرسوه قبل عامين تحول أسامة بن لادن من صديق وحليف ومجاهد ورع في سبيل الله الى عدو وخصم وإرهابي يفجر السفارات الأمريكية في افريقيا ويقتل الأبرياء ويروع الآمنين وقبله كان عمر عبدالرحمن وقبل حوالي 20 سنة كان الإسلام سلاحا لمواجهة الإلحاد والشيوعية والقومية العربية وكان في ذلك الوقت يوصف بالتسامح والتقوى والتجانس مع العصر لكنه في قضية القدس أصبح خطرا وخنجرا وإرهابا وتخلفا وأصبح كل من يقترب منه يلعب بالنار ويثير مشاعر التعصب ويحرض على حرق العالم على حد ما ينشره البعض في الصحف الأمريكية الآن. إن من السهل أن تبني بيتا ثم تهدمه ومن السهل أن تفتح مصنعا ثم تغلقه ومن السهل أن تشتري سلعة ثم تبيعها لكن من الصعب أن تقنع الناس بفكرة ثم تطالبهم بالتخلي عنها, خاصة إذا كانت هذه الفكرة دينية وترتبط بتراثهم الروحي والسماوي لذلك لايجوز العبث بقضية القدس وإلا احترق الجميع فالتفريط في مدينة الله هو لعب بالنار.