ان معظم العرب, من الناحية العلمية يتعاملون مع اسرائيل منذ عدة عقود وحتى اليوم, وكأنها دولة قوية لا سبيل الى مقارعتها ومنازلتها, ولا مجال لقهرها فاكتفوا نتيجة لذلك, وفي كثير من الحالات, بمواجهتها كلاميا بالأقوال الحماسية والخطب الانفعالية والشعارات الرنانة, بالاضافة الى اظهار التظلم والشكوى والتماس العون والنجدة من العالم. ومثل هذه الممارسات لا تكلف شيئا ولا تستلزم جهدا او تضحية. كما ان اصحابها يوهمون بعض الناس, بأن ضجيجهم الانفعالي يدل على انهم وطنيون مخلصون لا يسكون على ضيم ولا يرضون بالباطل, ولا يهادنون الاعداء, مع ان كل ما يفعلونه لا يعدو كونه اكثر من مزايدات لفظية لا تقدم او تؤخر شيئا. ومن جهة ثانية, فبدلا من ان يحاول ابطال هذه التقليعة الكلامية الدعائية, صياغة الطرق العملية الموصلة الى نيل الحقوق, نجدهم يكتفون بإظهار الاصرار على استعادة الحقوق العربية, مرددين ليلا نهارا تمسكهم بالشرعية الدولية وقرارات الامم المتحدة. وهذه كما اسلفنا مواقف دعائية لا تكلف اصحابها أية تضحية. وبتعبير آخر فإن الاستعاضة عن العمل الفعلي لنيل الحقوق, بإبداء الاصرار عن الوصول الى هذه الحقوق عن طريق الشرعية الدولية, هو نهج نظري انفعالي يعبر عن عدم الرغبة في العمل والتضحية. ولكن هذا النهج لا يشكل قاعدة ثابتة في الممارسات العربية. فهناك حالات لجأ فيها بعض العرب الى طرق عملية مجدية, كما حدث في جنوبي لبنان وانتفاضة الضفة الغربية. وفي الحقيقة, فإن الموقف القومي العربي السليم يجب ان يتجلى في تقصي مصادر القوة والضعف عند اسرائيل وعندنا, والافادة من ذلك في وضع استراتيجية للمواجهة, تكفل لنا استغلال عناصر قوتنا والضرب في اعماق مكامن الضعف لدى العدو. ولو فعلنا ذلك لحصلنا في التسوية السلمية على شروط افضل مما نلنا او سوف ننال. واذا كان الاسرائيليون يتحججون بالديمقراطية ننستطيع القول بأن اليهود ليسوا ديمقراطيين في علاقاتهم مع العرب, لأنهم معتدون ومغتصبون للأرض. وربما يتفوق اليهود بتكنولوجيتهم المتقدمة التي تساعدهم الولايات المتحدة على بنائها, كما لا يفوتنا ان التأييد الامريكي لاسرائيل يشكل مصدر قوة لها. اما نحن فنتفوق عليهم بأننا اصحاب حق وبوسعنا ان نحصل على تأييد دولي واسع لقضايانا ولا سيما من جانب الدول الآسيوية والافريقية. وهناك ايضا الطاقات الهائلة التي نملكها, الاقتصادية منها والبترولية والمائية. ولكن من اهم مصادر قوتنا الطاقات البشرية فمما لا شك فيه ان تفوقنا السكاني الكاسح غير المحدود والذي لا يقف عند حد بل ويزداد يوما بعد يوم, يوفر لنا ميزة كبيرة ويشكل مصدر رعب بعيد المدى للعدو, ويجعل من مقولة ان اسرائيل دولة قوية مجرد اسطورة خيالية واضغاث احلام. ولسوء الحظ, اننا لم نتمكن حتى اليوم من استغلال تفوقنا العددي الكاسح في مجال صراعنا مع العدو, إلا على نحو محدود. ان الاسرائيليين بسبب محدودية سكانهم لا يستطيعون الصمود امام اي قتال يهدر قواهم البشرية بينما يمكن للعرب ان يضحوا بآلاف, ان لم يكن بملايين الشهداء, دون ان يعرضهم ذلك لاستنزاف بشري خطير. وهنا مكمن قوتنا ومصدر ضعفهم. وفي ضوء ما عرضناه فقد كنا ولا زلنا قادرين على كسب اي صراع مع العدو اذا استخدمنا تفوقنا السكاني في قتال بطيء بعيد الآمد. ولكن الحال تختلف بالطبع, عندما يتعلق الامر بقتال خاطف سريع. فهنا, تستطيع اسرائيل ان تستتر تفوقها التكنولوجي وتخطيطها العسكري المنظم في حين لا يسعنا استخدام تفوقنا العددي, الا على نطاق ضيق لا يؤثر في نتيجة القتال. وهذا ما حدث في حرب يونيو حيث افادت اسرائيل من تكنولوجيتها الجوية المتقدمة, دون ان تتيح للعرب الافادة من تفوقهم البشري. خلاصة القول, ان سبب ضعف مواقفنا على موائد مفاوضات التسوية السلمية, انما يعود, في جزء كبير منه, الى اننا لم نحسن استخدام مصادر قوتنا الا على صعيد محدود كما حدث في جنوبي لبنان وفي انتفاضة الضفة الغربية, بينما افادت اسرائيل من مصادر قوتها الى اقصى الحدود, كما في حرب يونيو. وبعد, فإن اسرائيل دولة ضعيفة عندما نفلح في استغلال عناصر القوة لدينا. كاتب سوري