منظمة (ايتا) بين (قناع) اليسار والأهداف (العنصرية) - بقلم: د. طلعت شاهين الهجمة الأخيرة التي بدأتها منظمة (ايتا) الباسكية الانفصالية ضد عدد من الشخصيات العامة والسياسية في اسبانيا, والتي راح ضحيتها حتى هذه اللحظة سبعة من السياسيين البارزين, بعضهم من اليسار الباسكي الذي تدعي المنظمة أنها تنتمي إليه, بعد فترة من الهدنة المؤقتة من جانب واحد هو جانب المنظمة, هؤلاء الضحايا أعادوا إلى الأذهان مسيرة تلك المنظمة منذ أن بدأت في ممارسة أعمال العنف قبل أربعين عاما, مما يتطلب معه إعادة النظر في الأهداف التي كانت تدافع عنها وقتها, والأهداف التي تبحث عن تحقيقها حاليا, بل وتحالفاتها القديمة والحديثة. ربما لم يكن واضحا تماما الهدف الذي كانت تعمل من أجله تلك المنظمة عندما بدأت في اغتيال رجال الجيش والبوليس في عهد الجنرال فرانكو, لأن نضالها في ذلك الوقت كان يلتقي مع نضال العديد من المنظمات اليسارية, وعلى رأسها الحزب الشيوعي الاسباني, لذلك لم يحاول أي من تلك المنظمات وبالتالي الرأي العام من مناقشة تلك الأهداف, اعتقادا بأن مجرد إسقاط نظام الجنرال الدكتاتور كان كافيا لعدم طرح هذه الأهداف للمناقشة بين وإعادة نظام الحكم الطبيعي إلى البلاد, سواء أكان نظام الحكم جمهوريا أم ملكيا. لكن خلال الهجمة الأخيرة لمنظمة (ايتا) كان من بين أهدافها أشخاصا كانوا في الماضي يقفون في الخندق النضالي نفسه الذي كانت تقف فيه المنظمة, وربما كان هذا هو الجديد في الأمر, وهذا هو الذي يدفع المحللين السياسيين إلى التأني وإعادة النظر بالعودة إلى الماضي, بحثا عن الأهداف الحقيقية التي استطاعت منظمة ايتا أن تخفيها عن الجميع حتى الآن, سواء في الداخل أو الخارج, مما سمح لها أن تقيم علاقات كانت تبدو متناقضة في كثير من الأحيان, مثل علاقاتها مع بعض المجموعات الفلسطينية المسلحة, وعلاقاتها في الوقت نفسه مع إسرائيل, وبشكل خاص مع جهاز مخابراتها (الموساد) المعروف بعنفه المتطرف. عندما اغتالت المنظمة الصحفي (خوسيه دي لا كايي) , الذي كان في الماضي من المناضلين ضد نظام الجنرال فرانكو, وشارك بعض أعضاء منظمة ايتا السجن خلال ذلك العهد, بدأت الشكوك تحوم حول الأهداف الحقيقية التي تبحث المنظمة عن تحقيقها في الوقت الراهن. ثم جاءت عملية اغتيال آخر ضحاياها السياسي الاشتراكي (خوان ماريا خاورجي) , الذي اغتاله بعض الناشطين من المنظمة قبل أسبوعين بعملياتها المعروفة من خلال (رصاصة الرأس القاتلة) , لأنه كان باسكيا ولد ونشأ وتربى في عائلة باسكية, أي أنه لا يوجد, فرضا, أي تناقض بين المنظمة التي تقول انها تعادي من ليسوا باسكيين, بل كان يقف في الماضي في خندق ايتا وان كانت أهدافه وقتها معروفة, فقد كان ينتمي إلى الحزب الشيوعي, وانتقل إلى الحزب الاشتراكي بعد أن وجد أن أول الأهداف التي ناضل من أجلها تحقق وهو عودة الديمقراطية إلى اسبانيا. ثم انتقل إلى الحزب الاشتراكي لأنه وجد في برنامجه الطريق لتحقيق أهداف أخرى, وبشكل خاص الأهداف الاجتماعية, وعمل لفترة في الصفوف البارزة للحزب إلى أن قرر أن يترك العمل العام ليهتم بأسرته باعتبارها الأولى بالرعاية, ومن أجل الأسرة هجر وطنه إلى التشيلي حيث كان يمارس نشاطه المهني. هذه العمليات التي بدا أنه لا مبرر سياسي لها, فتحت عيون بعض المحللين السياسيين للبحث في الجذور الحقيقية للشعوبية الانفصالية الباسكية بجناحيها العسكري والسياسي, في محاولة لتبين الحقائق والتعامل مع هذه القضية بشكل صحيح, خاصة أنه لم يعد هناك مبرر للاستمرار في عمليات الاغتيال بهذه الطريقة, وجناح المنظمة السياسي يجلس في البرلمان المحلي لإقليم الباسك, ويمارس نشاطه دون معوقات حقيقية كمنظمة سياسية معترف بها. تقول حقائق التاريخ ان الشعوبية الباسكية بدأت في القرن الخامس عشر كامتداد للأيديولوجية الدينية التي أسستها الملكة الكاثوليكية بالتحالف مع الكنيسة خلال حربها الصليبية ضد العرب والمسلمين في الأندلس. فقد كانت أهم نتائج تلك الحرب وعمليات طرد الموريسكيين المستمرة من اسبانيا أن قامت عائلات إقطاعية اسبانية باقتطاع أموال المسلمين واليهود المطرودين وممتلكاتهم والاستيلاء عليها كغنيمة, وبعض تلك العائلات استطاعت أن تبني ثرائها على المساعدة في عمليات الطرد تلك, من خلال التجسس على المسلمين واليهود وتنبيه رجال الكنيسة ومحاكم التفتيش إلى أنهم يمارسون طقوسهم الدينية سرا, لا هدف لهم من ذلك سوى الاستيلاء على أموالهم, لأن قوانين محاكم التفتيش كانت تمنح الكاثوليكي الذي يشي للكنيسة بالممارسات الدينية للمسلمين واليهود المتخفين تحت ادعاء التنصير بأن تمنحه نصف أمواله, والنصف الآخر للكنيسة بالطبع. من هؤلاء الجواسيس ضد المسلمين واليهود كان نشأة جانب كبير من الطبقة النبيلة الكاثوليكية, واستفادت العائلات الكبرى في إقليم الباسك التي لم تكن تنتمي إلى تلك الطبقة من هذه القوانين, وبدأت تسن قوانين محلية في الإقليم ظاهرها حماية الدين والدم من الاختلاط بدماء المسلمين واليهود, وكانت تطبق تلك القوانين على كاثوليك المناطق غير الباسكية, لأنها كانت تعتبر كاثوليك المناطق الأخرى (غير أنقياء الدم, وبالتالي غير أنقياء في الدين والإيمان) , كانت هذه القوانين مغالية إلى درجة أن أحد كبار علماء الانثروبولوجيا الأسبان (كارو باروخا) وهو باسكي وصف تلك القوانين بالعنصرية, لأنها تفرق بين المواطنين على أساس (نقاء الدم والنسب والدين) . استمر هذا الوضع إلى القرن التاسع عشر إلى أن هبت رياح عصر الصناعة الذي وجد في إقليم الباسك المواد الخام التي تجعل منه مستقر الصناعة الأسبانية, هذا أدى إلى انتقال فقراء الجنوب الأسباني إلى الشمال للعمل في تلك المصانع. استغل الباسكيون الأغنياء القوانين القديمة لتسخيرها لصالحهم, فكانوا يعتبرون كاثوليك الجنوب أحفادا للمسلمين واليهود, وبالتالي لا يجب معاملتهم معاملة الباسكيين انقياء الدم, فتم تشغيلهم في أعمال أقرب إلى السخرة لهذا السبب العنصري فقط. بل كانوا يطلقون عليهم اسم (ماكيتو) , وهو لقب تحقيري, وأيضا لتفريقهم في المعاملة عن أبناء الباسك الحقيقيين, وكان هذا الاسم وصمة على جبين غير الباسكيين وهو أقرب إلى لقب (المورو) الذي كان وصمة على جباه الموريسكيين في عصر محاكم التفتيش. مع نهايات القرن الماضي بدأت تنتشر بين بعض سياسيي إقليم الباسك أفكار أقرب إلى الأفكار النازية, وعلى أساس هذه الأفكار قام أول حزب سياسي باسكي بقيادة (سابينو ارانا) , أيديولوجية الحزب ترى أن الباسكي يجب أن يكون (نقي الدم كامل الإيمان) , لم يختلط دمه وعقيدته بدم غير باسكي, حتى لو كان غير الباسكي كاثوليكيا مؤمنا واضح الإيمان, هذا النقاء العرقي كان يحترس من دماء المسلمين والعرب واليهود بشكل خاص. من يقرر الدخول إلى هذا الحزب عليه أن يثبت من خلال تقديم شهادة مؤكدة على (باسكيته) , وعدم اختلاط دماء أي من أجداده بغير الباسكيين, وعلى الرغم من صعوبة ذلك فقد كان يتم التعامل مع ألقاب العائلات كشهادة, بالطبع مع التغاضي عن بعض العائلات التي يمكن أن تفيد الحزب في نشر أفكاره كالعائلات الثرية (!). بلغت هذه الدعاوى ذروتها مع بدايات القرن العشرين, ولكن هزيمة هتلر خلال الحرب العالمية الثانية أسكتت هذا المنطق, وان ظل (الحزب الوطني الباسكي) وريث أفكار (سابينو ارانا) وفيا لتلك الايديولوجية. بل ان رحيل الجنرال فرانكو, وعودة الديمقراطية, وحصول الإقليم الباسكي على حكم ذاتي مثله مثل إقليمي قطالونيا وجالييثيا, لم تغير من أفكار زعماء الحزب الحاليين, الذين يتعاملون مع الحكومة المركزية على أنها (حكومة دولة أخرى) , ويتعاملون مع الذين يحملون أسماء وألقاب غير باسكية على أنهم (المهاجرون) , ووصل الأمر بزعيم الحزب الوطني الباسكي أن قارن الأسبان غير الباسكيين الذين ولدوا ويقيمون في بلاد الباسك بالمهاجرين المغاربة والأفارقة, وقال اأنهم يسببون في الإقليم المشاكل نفسها التي يسببها المهاجرون المغاربة والأفارقة في أسبانيا (!). بعد عمليات منظمة ايتا الأخيرة يمكننا أن نتبين أن الأهداف الحقيقية التي قامت من أجل تحقيقها ليست تلك التي أعلنتها وقتها عند بدء عملياتها ضد نظام الجنرال فرانكو, وأن علاقاتها مع بعض المنظمات الفلسطينية, والموساد الإسرائيلي في الوقت نفسه, ليست سوى علاقات تكتيكية, لأن الايديولوجية الحقيقية التي يعتنقها أعضاء تلك المنظمة (تبطن العداء للعرب والمسلمين واليهود على حد سواء) . كشفت عمليات منظمة ايتا الأخيرة عن حقيقة ما تهدف إليه, وهذا ما لم يعد يخفيه جناحها السياسي, الهدف من تلك العمليات إجبار غير الباسكيين على مغادرة الإقليم, حتى لو ولدوا على أرضه, لأنهم غرباء, وعليهم أن يغادروه. الهدف الحقيقي لمنظمة ايتا وجناحها السياسي, ويدعمها في ذلك الحزب الوطني الباسكي هو (إقامة دولة باسكية على أساس عرقي ديني, وهنا نكتشف أن انتماء المنظمة لليسار ليس إلا (قناعا) تخفي وراءه وجهها (العنصري) . كاتب مصري مقيم في أسبانيا