لا شك ان ما يجري باسرائيل على المستوى السياسي الحزبي, ليس كما يشيع حوله البعض بأنه مجرد لعبة سياسية وتقاسم للأدوار بقدر ما هي تعبير حقيقي عن مدى الازمات الداخلية التي تعصف بالتجمع الاستيطاني خاصة وان هذا التجمع بدأ يعيش بشكل فعلي مشكلة هوية الدولة والمجتمع. ولعل العامل الدافع او المفجر لهذه الازمة التي عاشت مع اسرائيل منذ نشأتها القناعة بأن اسرائيل وصلت الى ما يقال عنه مفترق الطريق الحاسم في تقديم حلول تقديم تنازلات بما يتوافق مع قرارات الشرعية الدولية الخاصة بهذا الشأن بما في ذلك قضية القدس واللاجئين وانه لا مجال من تمرير تسويات مجزوءة او منقوصة بمقابل تقديم الامن والاستقرار. وبات واضحا انه لا يمكن ونحن نعيش على عتبة نهاية التسوية الدائمة ان تبقى القيادات السياسية والحزبية الاسرائيلية على عملياتها التكتيكية والتسويفية من خلال الروح الانقلابية على ما اتفق عليه وما يمكن ان يتفق عليه في الايام المقبلة بين الاطراف التفاوضية. وقد لا نغالي القول ان ما يجري داخل اسرائيل من انقسامات جاءت نتيجة حتمية للرؤية السياسية الايديولوجية لكتلة القوى والاحزاب المشكلة للخارطة السياسية الحزبية وانها محصلة طبيعية لتربية عنصرية تجاوزت المئة وخمسين عاما والتي انطلقت من العداوة المطلقة للاغيار (العرب) الذي قال عنهم الحاخام الاكبر لليهود الشرقيين عوفاديا يوسف: (ان ابناء اسماعيل جميعا اشرار وملعونون وكلهم يكرهون اسرائيل. ان الله العلي القدير يندم لانه خلق ابناء اسماعيل هؤلاء) . وعدم الاعتراف لهم بحق يذكر دون ان نغفل من اجندتنا ان سنوات الصراع الدامية قد انتجت بعض الاتجاهات التي تؤمن بشيء من الحلول لكن على ما يبدو حتى هذه الاطراف ما تزال تتمترس انطلاقا من تربيتها المركبة الاستعمارية العنصرية وراء مواقف مضللة وخادعة هدفها الاول والاخير اجتزاء الحق العربي واعتبار هذا التمترس والاجتزاء هو بحد ذاته حالة من التمايز انطلاقا من ذات القناعة العامة التي تربى او انفطر عليها اذا شئت هذا التجمع الاستيطاني لكن ايا تكن المواقف لابد من القول ان اسرائيل تعيش هذه الايام اكبر واحد الازمات السياسية والحزبية التي وصلت بكل تأكيد الى حالة من الانقسام الحاد بين ما يسمى فريق السلام (التسوية) وبين الذين ما يزالون يؤمنون ببقاء الاحتلال انطلاقا من القوة الذاتية وعوامل الدعم اللامحدود من بعض الاطراف الدولية التي تمتلكها اسرائيل لارضاخ الاطراف العربية لارادتها ومشيئتها والتي تنادي بتقديم الامن مقابل السلام وليس الارض بمقابل السلام وان ثمة حقائق دامغة تقول انه لا يمكن الجمع بين من يسعى للسلام حيادا عن المساحة الجغرافية التي تؤمن بتقديمها للطرف الآخر, وبين الرافضين لهذه العملية برمتها اصلا وان المحاولات التوفيقية او التلفيقية على المستوى الداخلي في اسرائيل قد باءت جميعها بالفشل الذريع, ولا مناص من عملية الحسم فإما ان تكون الغلبة للاتجاه اليميني الديني والقومي المتعصب الذي لا يرى في التسوية مع المحيط العربي سوى التنازل عن قيم واهداف الدولة انطلاقا من العقائد اللاهوتية والعنصرية واما سيادة الطرف الآخر الذي يعتبر نفسه معنيا بتقديم سلام على كل الجبهات العربية, لكن شرط ذلك ان يكون هذا القبول ممهورا بالالتزام بقرارات الامم المتحدة ومجلس الامن الدولي, خاصة بعد ان جرب الطرف الثاني اعني باراك منذ تسلمه مقاليد السلطة في اسرائىل والذي انطلق من ان التحالف مع اكبر قوة دينية اي حزب شاس الديني الشرقي سيكون الجسر والحامل القوي الذي يصله بما يسمى اسرائيل الثانية من جهة وبالتسوية مع الاطراف العربية من جهة ثانية لكن الموعظة الاسبوعية للزعيم الروحي لحركة شاس التي اتكأ عليها حزب العمل بقيادة باراك منذ تسلمه الحكومة في العام 1999 في تشكيل ائتلافه الحاخام عوفاديا يوسف جاءت لتكون ليس انقلابا على تسويف باراك بل عاصفة سياسية هوجاء تعصف بالتكهنات والاحلام التي ارتكز عليها في تحالفاته السياسية الحزبية والتي سميت حينها (اسرائىل واحدة) بل وعاصفة مست الحياة السياسية على المستوى الداخلي في اسرائىل واصبح نابليون اسرائيل البارحة بالنسبة لشاس وزعيمه الروحي اليوم يفتقد الى العقل والحكمة لانه يلهث وراء العرب كالمجنون من اجل ان يصنع السلام بل اكثر من ذلك اتهم بأنه الخائن لارواح اليهود الستة ملايين الذين حرقوا في المحرقة النازية وعلى ما يبدو ان ما يسمى بالشطارة السياسية (الفهلوية) التي انطلق منها باراك بعد نجاحه الكاسح بنسبة 56% من الاصوات الانتخابية انسته ان (اسرائيل واحدة) لا تستطيع الحلول مكان ائتلاف نتانياهو اليميني والذي ما يزال يتحلى بالكثير من المواصفات وارضاء الرغبات السياسية والايديولوجية. ولعل صحيفة معاريف الاسرائىلية الصادرة يوم 4/8/2000 كانت الاقدر على توصيف الحالة التي انطلق منها باراك عندما اعتبرت ان الصلة: (بين باراك وايلي يشاي لم تكن ابدا مثل الصلة بين نتانياهو وارييه درعي واسحاق ليفي وناتان شارانسكي والفجوة بين باراك وشركائه من اليمين كانت منذ البداية فجوة ايديولوجية تكتيكية وذهنية وعلى نقيض وعود باراك بأن يكون رئيسا للجميع فإنه رأى في زعماء اليمين مجرد خدم وليسوا حلفاء فعليين اذ انه مطلوب منهم فقط توفير الدعم الائتلافي له مقابل الوزارات والاموال التي تتدفق الى تياراتهم وهو امر لم يجد نفعا في علاقات شاس وميرتس كما ان ديفيد ليفي ومكسيم ليفي لم يستطيعا ان يبنيا جسورا بين الطرفين ولم يوسعا دائرة التأييد (لاسرائيل واحدة) مثلما كان باراك يأمل. وتبين ان (غيشر) بقيادة ديفيد ليفي هي في الحقيقة حركة على الورق فقط تفتقر الى الموارد والمؤيدين) لكن من جهة اخرى يجب ان لا نبحر كثيرا في التسميات والألقاب والتحليلات والمواقف وأن نعول على مثل هذه الازمات الحكومية التي تنطلق اولا واخيرا من المصلحة العليا لدولة اسرائيل لانها بكل تأكيد ليست هي المقياس او المعيار للحكم على يسارية او يمينية هذا الحزب او ذاك بقدر ما يجب ان نعول على امتثال هذا الحزب او ذاك للارادة الدولية في تقديم الحلول القائمة على الحق او العدل كما اننا ومن خلال التجربة الكبيرة والمريرة مع هذا الاحتلال يجب وبالضرورة ان لا نتخلى عن الديكارتية في النظرة المتفحصة لكل ما يدور داخل اسرائىل من انقسامات سياسية وان لا تنطلي علينا لعبة الادوار التي تستدر عطف هذا الطرف الدولي او ذاك لمحاولة جره لفرض الحلول على الاطراف العربية والتي تصب في النهاية فيما يسمى بالمصلحة العليا للاسرائيليين على مختلف مشاربهم وانتماءاتهم الايديولوجية. وان لا نغفل ان هناك محددات ومقاييس اسرائيلية مشتركة تسمى بـ (الامن القومي الاسرائىلي) تجمع فيما بين الاحزاب المكونة للخارطة السياسية الاسرائىلية بعيدا عن الشعارات التي يرفعها كل حزب على حدة وعلى ما اعتقد ان الايام المقبلة ستفرض على الفلسطينيين تحديدا حزمة من الابتزازات السياسية من خلال عناوين اهمها ضرورة تعاطي الفلسطينيين بمرونة مع مشاريع باراك المعزول اسرائيليا بهدف الحد من حركة اليمين الديني والقومي, ومد يد العون والمساعدة الفلسطينية لوقف التداعيات المتسارعة في معسكر اليسار ومحاولة ترميم حكومة باراك ما امكن لكي يتسنى له تقديم تسوية نهائية على المسار الاسرائيلي ـ الفلسطيني. لكن من الضرورة ان نتذكر وعلى الدوام ان حكومات العمل التي تناوبت على السلطة في اسرائيل لفترات طويلة جدا, كانت دائما حكومات الحروب التي جلبت للدولة الانتصارات الكبرى واسست مشاريع الاستيطان اليهودي التي نشهدها اليوم. وان علينا ان نتذكر ايضا ان قوى اليمين كانت وما تزال منذ كامب ديفيد المصرية مرورا بمراحل الانسحابات على الجبهة الفلسطينية هي الاقدر على تقديم تسويات للطرف الآخر لانها حسب اعتقادي هي القوى المعبرة عن الرؤية والقناعة الصهيونية وهي القوى الاصيلة داخل التجمع الاستيطاني الاسرائيلي. وان اليسار اصلا رغم حكمه الكبير زمانيا كان وما يزال شكلا هجينا وطارئا في الحياة الداخلية في اسرائيل واستمد شرعيته من حروبه ومن مقولة العمل العبري ومصادرة الاراضي وغيرها وليس من تقديم التنازلات للطرف الآخر. وانطلاقا من هذا التاريخ الدامي الذي قدمه العمل, هل حقا اصبح اليوم قادرا على تقديم تسوية مقبولة, استنادا الى شعاراته وبرامجه ام ان العملية الداخلية التي تشهدها اسرائيل برمتها مجرد تقاسم ادوار هدفها ابتزاز الطرف العربي وتخفيض سقف مطالبه ما امكن؟ * كاتب فلسطيني مقيم بدمشق