قراءة أخيرة في تقرير التنمية البشرية عن الفقر والتمكين والديمقراطية (2-2) - بقلم: محمد الخولي ليس الفقر هو الجوع الى اللقمة والعري الى الكسوة الفقر هو القهر.. الشاعر الراحل صلاح عبدالصبور من أشرف وأحكم ما يحويه المأثور الطيب في التراث العربي الاسلامي, تلك الإدانة التاريخية للفقر. ان حضارة العرب والمسلمين وعقائدهم وأعرافهم تميز بين الفقر بمعنى الحاجة والحرمان والمسغبة وما يتصل بذلك كله من تعريض الانسان البشر الى المهانة والذل والى سقوط الهمة وضياع الكرامة, وبين الزهد أو التقشف أو تقوى الله في موارد الكون الطبيعية فلا يسرفن الانسان في استخدامها على نحو يبدد مخزوناتها فضلا عن مراعاة الله والضمير ومنظومة القيم العليا في التعامل مع موارد المجتمع البشرية وخاصة قوى العمل والانتاج وعمران الأرض ومنفعة الخلق وفي فئات المستضعفين الذين لا تعد مراعاتهم انصياعا لمقتضيات الشرع وحسب, ولكنها أيضا أحد العوامل الأساسية في عملية الضبط الاجتماعي ومن ثم فهو مؤشر دال بحق على الصحة النفسية لهذا المجتمع أو ذاك. رقة الحال ربما لهذا تحفل لغتنا العربية بتعابير أو مصطلحات بالغة الدلالة من قبيل رقة الحال أو (الاستغناء) أو (التعفف) أو الاكتفاء وكلها تفيد معنى تلبية الاحتياجات الأساسية للبشر سواء كانت مادية (الغذاء والمأوى والكساء والرعاية بسبيل). ليس صدفة إذن أن يكون الفقراء والمساكين هم أول من يتصدر مصفوفة مستحقي الزكاة ولا هي صدفة أيضا أن يعمد الكتاب الكريم الى استخدام عبارة (الحق المعلوم) بالنسبة لمصارف الزكاة وأن ينصرف معناها الى أنها تزكي الذي يعطي وتطهر الذي يؤدي حقها ولا هي صدفة كذلك أن تكون هذه الزكاة على اختلاف نوعياتها وأحكام أدائها وتنوع مصارفها وتباين مستحقيها ركن أساسي لايكتمل ايمان المرء إلا باقراره وتنفيذه حيث ترادف الصلاة وحيث يجاور عطاء المال معنى الجهاد بالنفس وهو أعلى وأغلى أنماط الجهاد. حروب الردة.. لماذا؟ ولأن الخليفة الأول كان صادق العقيدة راسخ الايمان, محمدي الثقافة والاتجاه, فلم يتورع الرجل رضي الله عنه عن تسيير الجيوش في مرحلة أخطر من دقيقة في منعطف تاريخ العقيدة لمحاربة المرتدين مانعي الزكاة وكان الصديق أبوبكر في هذا يربط بين الجانب العقيدي الايماني للدين وبين الجانب الاجتماعي الانصافي متمثلا في حمل الناس على ايتاء الزكاة ومن ثم محاربة الفقر ما استطاعوا الى ذلك سبيلا في ضوء هذه المفاهيم, يحفل تراثنا المضئ بمأثورات من قبيل: لو كان الفقر رجلا لقتلته. * ومن قبيل: كاد الفقر أن يكون كفرا. * وفي هذا الاطار أيضا نتأمل باعجاب أبياتا للشاعر الراحل صلاح عبدالصبور وقد أجراها على لسان بطله الصوفي في مسرحية (مأساة الحلاج) وقال فيها: ليس الفقر هو الجوع الى اللقمة والعري الى الكسوة الفقر.. هو القهر الفقر هو استخدام الفقر لاذلال الروح. الى التقرير الدولي ومن هذا المدخل التراثي والمعاصر على السواء نطل بدورنا على المنهج الذي نراه سليما ومشروعا من ناحية العلم والواقع ذلك الذي أتبعه تقرير (التنمية البشرية لعام 2000) الصادر كما ألمحنا في الحديث الماضي عن برنامج الأمم المتحدة الانمائي في الأسابيع القليلة الماضية. يستمد هذا المنهج مشروعيته وتبريره من واقع ما عمد اليه من الربط الموضوعي بين أهم ثلاثة عناصر رآها ونراها فاعلة وحاكمة وأساسية في حياة مجتمع البشر المعاصر وهذه العناصر هي: () التنمية. () الفقر. () حقوق الانسان. والمعنى ببساطة هو: ألا سبيل الى تنمية حقيقية إلا اذا كان البشر هم محورها وغايتها بقدر ما أن البشر, بداهة, هم أبرز أدوات تحقيقها. بنفس المقياس لاسبيل الى تنمية بشرية ناجحة وناجعة فيما تظل ملايين من البشر, راسغة في اغلال المسغبة والعوز أو واقعة بين براثن الفقر والحرمان والافتقار الى الحاجات الأساسية اللازمة لكي يعيش الانسان.. انسانا. . ونبادر فنقول - من واقع النتائج الاحصائية والسردية التي خلص اليها تقرير التنمية البشرية أن ظاهرة الفقر لا تقتصر وحسب على أبناء الدول أو القارات الفقيرة في آسيا وافريقيا وأمريكا اللاتينية, ومنها تمتد موضوعيا وواقعيا لتشمل أقطارا في غرب أوروبا تعد من البلدان المؤثرة الميسورة كما تشمل أيضا الولايات المتحدة نفسها وهي كما هو بديهي زعيمة العالم وقطب رحاه الأوحد.. على الأقل حتى كتابة هذه السطور وبنفس المعيار كذلك.. فلا سبيل الى نجاح التنمية البشرية في القضاء على ظاهرة الفقر في مستوياتها الأساسية الثلاثة: المدقع والمطلق والنسبي, إلا من خلال اقرار حقوق الانسان الأساسية وفي مقدمتها كما أسلفنا من قبل الحق في التنمية والحق في المشاركة والحق في التعبير.. وكلها حقوق لابد وأن تنعكس في واقع العقد الاجتماعي المكتوب (من خلال الوثائق والمواثيق الدستورية) والعرفي (من خلال الممارسة والثقافة السائدة في المجتمع) في هذا المضمار يقول تقرير التنمية البشري في فصله الرابع (ص73): يؤدي الفقر الى الحد من حريات البشر والى تجريد الفرد من كرامته. وقد أوضحت هذه الحقيقة سائر المواثيق الدولية الصادرة في هذا الشأن وكان آخرها اعلان فيينا الصادر عام 1993 عن (أول) مؤتمر دولي معني بحقوق الانسان حين أكد على أن (الفقر المدقع والتهميش الاجتماعي الشديد يشكلان انتهاكا لحقوق الانسان). * ان تقرير التنمية البشرية ينظر الى الفقر على أساس أنه حالة انعدام الدخل المادي للانسان وهو بذلك يشكل وضعا. من شأنه أن يحرم الفرد البشري من أشياء وأوضاع لها قيمتها مما كان جديرا بهذا الفرد البشري أن يحل عليه (احتياجاته الأساسية من معاش ورفاه) أو كان جديرا بأن يبلغه (مستوى التعليم أو الموقع الاجتماعي المرموق الذي يستحقه الانسان بفضل موهبته أو مهاراته أو ناتج عمله). الفقر والحرمان المعنوي والمعنى الذي يذهب اليه التقرير أن الفقر ليس مجرد الافتقار الى تلبية احتياجاتنا, بل هو أيضا حرمان الانسان المعنوي, من الفرص التي كان يستحقها بفضل ما وهبه له الخالق تبارك وتعالى من قدرات وامكانات وعزمات ولان الفقر المالي أو الدخلي ان جاز التعبير مصطلح شائع ومتداول, فقد فضلت أدبيات الأمم المتحدة في تقريرها الذي نحيل اليه في هذه السطور أن تستخدم مصطلح (الفقر البشري) الذي يتجاوز حكاية الحرمان من مجرد الايراد أو مستلزمات الاستهلاك وهنا تصدق كذلك رؤية الشاعر عبدالصبور أن الفقر في التحليل الأخير هو إذلال الروح. إن تعبير (الفقر البشري) كما يعرفه التقرير الدولي يركز على حرمان الانسان مثلا من فرصة أن يعيش عمره المكتوب أجلا أطول وفي ظل رعاية وقائية وعلاجية أفضل بما يتيح له حياة صحية يحقق في سياقها ذاته ويستمد هو والمجتمع ملكاته وطاقاته ويروي شواق روحه ومطامح نفسه محلقا بذلك, هو والجماعة البشرية التي ينتمي اليها الى ذرى الابتكار والابداع. وهو أيضا حرمان الانسان من أن يعرف, وأن يتعلم وأن يتزود بالمعلومات حول مجتمعه والعالم, وأن ينعم بمستوى لائق معقول من المعيشة ومن ثم من الكرامة واحترام الذات واحترام الآخرين. حكاية التمكين ومن هنا أيضا باتت أدبيات الأمم المتحدة تستخدم مصطلحا جديدا ومهما هو .. التمكين. بمعنى أن محاربة الفقر وليست مجرد منحة من الآخرين ولا هي شهامة تطوعية من جانب هذا الطرف أو ذاك, سواء على المستوى الوطني الداخلي أو على مستوى الدول وخاصة من شمال العالم إن التمكين هو تزويد الفقراء بسبل ووسائل مواجهة مشاكلهم بمعنى أن يكفل لهم قاعدة الانطلاق من حيث تزويدهم بالاحتياجات الأساسية: الصحة الوقائية.. التغذية المعقولة.. مستوى التعليم والمعارف التي تركز على اذكاء الوعي وتدريب المهارات الحياتية والربط بين التعلم واحتياجات المجتمع وامكانات الأفراد.. ومن هنا تتهيأ للفقراء السبل من أجل الانطلاق الى فك الأغلال التي فرضتها عليهم أوضاع الفقر.. وكأنما يتحقق في هذا السياق المثل الصيني القديم الحكيم: (علموا الفقير حرفة الصيد أفضل ألف مرة من أن تعطوه سمكة يقتات منها) . ألم يحو تراثنا الايجابي المضيء حكمة الأثر الشريف التي تقول: (لئن يأخذ أحدكم حبلا في يده ويذهب كي يحتطب (ليكسب رزقه) خير أن يسأل الناس أعطوه أو منعوه) . ولا تحسبن أن الممارسة الديمقراطية يقول التقرير الدولي هي مجرد حلية أو ديكور لا يتزين بها سوى الموسرين الشبعانين فيه. أو أنها بالتالي ترف لايجد الفقراء وقتا للتفكير فيه دع عنك أن ينعموا بممارسته. إن الممارسة الديمقراطية بمعنى احساس المواطنة المسئولة وشعور المشاركة وكفالة وحرية التعبير والتدفق الحر للمعلومات وقيام أجهزة الا علام في المجتمع بدورها التنويري والتثقيفي المطلوب كل هذا يتطلبه صحة المجتمع الفقير كما تقتضيه صحة المجتمع الغني على السواء. في هذا السياق يضرب التقرير الدولي مثلا من صديقنا الهندي يقول: كانت المجا عات أمرا متكرر الحدوث في الهند خلال حقبة الحكم الاستعماري (البريطاني) ففي عام 1943 على سبيل المثال اجتاحت المجاعة منطقة البنغجال وراح ضحيتها نحو 3 ملايين انسان ماتوا جوعا. لكن المجاعات توقفت عن الحدوث فجأة بعد حصول الهند على استقلالها عام 1947 وبعد اقرار نظام الحكم الديمقراطي في تلك البلاد. ويمضي تقرير التنمية البشرية قائلا: صحيح أن الحكم الاستعماري لديه سياسات لحماية الجماعات المستضعفة من غائلة المجاعة. لكن لم يكن للناس خلال تلك الفترة صوت سياسي يرتفع ليطالب بحقوقهم وعندما أخذت الهند بالأسلوب الديمقراطي كانت كمن يوقف خطاه فلا تؤدي به الى حافة المجاعة - والفضل في ذلك كان للضغوط الشعبية وقد حملت أصواتها الميديا وقام على أمرها مجتمع مدني ديمقراطي مما حال بين الحكومات بعد الاستقلال وبين أن تظل ساكتة أو سلبية ازاء مطالب الناس. مأساة افريقيا من ناحية أخرى تشهد افريقيا مجاعات من أوسع وأفدح ما يكون.. بعض هذه المجاعات يحدث دون أن تكون البلاد قد منيت بنقص كارثي مثلا في إمدادات الغذاء. والذي يحدث أن يسقط سيف المجاعة على رقاب المستضعفين والمحرومين في هذه المنطقة أو تلك, أو بين هذا المجتمع العرقي أو القبلي أو ذاك, بينما تكون قطاعات أخرى من السكان بمنأى عن هذا كله بل ويكون بعضها في حال من اللامبالاة.. والسبب أن تفقد قطاعات السكان المستضعفة صوتها في حق المواطنة والغذاء في غيبة الديمقراطية وبالتالي العجز أن تصل أصوات المحرومين عبر وسائل الاعلام والاتصال الى من بيدهم اصلاح الأمور وتلافي آثار الكوارث التي تودي بحياة أجيال بأسرها. أخيرا.. فثمة اطلالة أوسع على منظور الفقر كما تعرض له تقرير التنمية البشرية ونلخصها في النطاق الموجز التالية: يتراوح مؤشر الفقر البشري في العالم بين نسبة خفيفة في أورجواي بأمريكا اللاتينية (9.3 في المئة) ونسبة فادحة تدعو للارتياع في النيجر في غرب افريقيا (7.64 في المئة). من النسب التي تدعو للقلق أيضا أقطار مثل أثيوبيا ومالي وموزمبيق في افريقيا السوداء حيث تجاوز مؤشر الفقر 50 في المئة ولا تشاركها في هذه السلبية سوى دولة آسيوية واحدة هي نيبال. يبدو أن معظم أقطار العالم هي في الهم سواء.. فها هو التقرير الدولي يعترف بأن ظاهرة الفقر تعدت في مظاهرها وعواقبها السلبية أقطار العالم الثالث أو النامي كي تصيب كما أسلفنا بلدان العالم الصناعي في الشمال الموسر المتقدم. وعلى رأس هذه الاصابات تأتي أمريكا (نحو 16 في المئة) وايرلندا (15 في المئة) ثم انجلترا (6.14 في المئة). إن ظاهرة الفقر لاتصيب أجزاء كل بلد على نحو سواء. هناك المناطق المعزولة والنائية والجنوبية ومناطق الصراعات الأهلية والعشائرية والأرياف والتقسيمات العرقية.. وكلها يجتاحها الفقر بأسوأ ما يصيب العواصم والحواضر وما في حكمها وتصدق نفس التفرقة المجحفة, لا على المناطق الجغرافية وحسب بل أيضا على الفئات الأقل حظا ومنها بالذات النساء حيث تحرم المرأة والفتاة من أبسط الحقوق في التعليم وفي الرعاية الصحية وفي الحصول على الائتمانات اللازمة لبناء حياتها والاعتماد على نفسها. ومرة أخرى نعود الى تأكيد أهمية حقوق الانسان, للمرأة والرجل على السواء ومن محاورها كما هو بديهي أن يتيح المجتمع فرصة متكافئة للفرد, بصرف النظر عن نوع جنسه كي يحقق ذاته ويستثمر ما أودعته فيه عبقرية الخلق من طاقات ومهارات.