اظهر الشارع السياسي الاسرائيلي رفضه للسلام بانتخابه لليميني المتطرف (موشي كاتساف) غير المعروف في الواجهة الاعلامية بالمقارنةمع (شيمون بيريز) الذي كان من الشخصيات المبادرة بالدعوة الى اقامة سلام مع العرب, ولكن آمال بيريز خابت كلها ولم يترك له اليمين المتطرف الذي يقوده (شارون) مجالا لتسويق افكاره (السلمية) من اعلى كرسي في اسرائيل (الرئاسة) وبهذا يكون الليكود قد انتصر على (حمائم) اسرائيل وألقى غصن ارض الميعاد لصالح الفلسطينيين والسوريين, بل على العكس، من ذلك يطالب ويدعو الليكود الى بناء مستوطنات كبرى على الاراضي العربية لأن حدود اسرائيل السياسية غير معروفة وغير محددة, وبالنسبة اليهم فإن باراك وحكومته قد خيبا آمال الشعب اليهودي وهذا ما قاله شارون صراحة ان باراك وحكومته تعد مسألة وقت فقط بعدما ستأتي حكومة تحافظ على (ثوابت) اسرائيل المقدسة وهي لا تفاوض حول مستقبل القدس, واللاجئين لأن الحديث عنهما يهدد سيادة اسرائيل ومستقبله.. كما ان اختيار يميني متطرف على رأس هرم السلطة في اسرائيل يمثل صفعة لدعاة السلام. ان البعض لا يدرك ان اسرائيل ترفض لغة السياسة والدبلوماسية التي طرحت في اوسلو وواشطن وكامب ديفيد, ولا نعرف لماذا تصر السلطة الفلسطينية على المراهنة على استراتيجيتها تجاه اسرائيل مع ان هذه الاستراتيجية خيبت آمال الشارع الفلسطيني والعربي في اقامة دولة فلسطينية. واذا كانت اسرائىل نفسها غيرت في مواقفها من العملية السلمية كلية باعلانها صراحة عن انها لن تتنازل اكثر مما منحته للسلطة الفلسطينية وراحت تعلن عن استعدادها للمواجهة ولردع أي طرف يتجاوز الحدود الحمراء التي سطرتها اسرائىل ومعنى ذلك ان اسرائيل تتبجح بالقول ان ميزان القوى العسكري والاستراتيجي مائل الى صفها ومن حقها هي وحدها ان تملي شروطها على الطرف الفلسطيني. وللأسف الشديد ان اسرائيل تجد مساندة ودعما من الداعي الامريكي المنحاز الذي مارس ضغوطا على عرفات خلال قمة كامب ديفيد الثانية لاقناعه بتقديم تنازلات اخرى لاسرائيل من اجل حفظ ماء وجه ايهود باراك امام اعضاء حكومته الذين يطالبونه بالاستقالة لاتهامه بخيانة اسرائىل وتهديد مستقبل شعبها على هذا الاساس يتعين على السلطة الفلسطينية ان تتعامل بسرعة مع الفعل برد الفعل فإن كانت اسرائىل اختارت بديلا جديدا يحدد سياستها التفاوضية المقبلة, فيتعين على السلطة هي الاخرى تحديد البديل الامثل الذي تحافظ من خلاله على ثوابتها وتحدد به سياستها التفاوضية مع العلم ان اي تنازل في احد الثوابت الفلسطينية خاصة في موضوع القدس, سيعرض السلطة لهزات سياسية داخلية لا تقدر على مواجهتها خاصة ان الشارع الفلسطيني بدأ يطالب ويستعد لانتفاضة جديدة لأنه يدرك ان الانتفاضة تمثل ورقة رادعة ورابحة يمكن ان يوظفها المفاوض الفلسطيني في المفاوضات المقبلة, والتجارب التاريخية اثبتت ان الدبلوماسية والبندقية سلاحان متلازمان يؤديان الى النصر دائما كتجربة الجزائر وفيتنام وجنوب لبنان, فماذا تخسر السلطة لو انها لم تسقط خيار المواجهة من حساباتها, فهل تخسر بضع الملايين من الدولارات التي تتلقاها من الولايات المتحدة الامريكية كل سنة نظير تمسكها والتزامها بخيار السلام مع اسرائيل؟ بل بالعكس فهاهي الولايات المتحدة تعلنها لها صراحة انها ستوقف هذا الدعم المالي بل انها ستلجأ الى نقل السفارة الامريكية من (تل أبيب) الى القدس, كرد على رفض ياسر عرفات الانصياع للمطالب الاسرائىلية والامريكية التي عرضت عليه اثناء المفاوضات الاخيرة, فعرفات اليوم في وضع مريح وافضل مما كان عليه الاشهر الماضية عندما تراجعت شعبيته لدى الرأي العام الفلسطيني والعربي فاليوم يعتبر عرفات زعيما حقيقيا لأنه رفض جميع المطالب التي عرضت عليه وقاوم الضغوط الامريكية, واكثر من ذلك كله, تمسك بتاريخ اعلان الدولة الفلسطينية في 13 سبتمبر المقبل, وهنا بيت القصيد, فالتاريخ المذكور يمثل مؤشرا لقياس مصداقية الرئيس عرفات وصدقه في الالتزام بالوعود الى قطعها امام الرأي العام الدولي بالاعلان عن الدولة في التاريخ المحدد لها وهو التاريخ الذي حددته قمة مدريد كآخر اجل لانتهاء العملية السلمية بين الفلسطينيين والاسرائيليين, فالالتزام برأينا بالتاريخ المحدد سيرفع من رصيد السلطة الفلسطينية ومصداقيتها الداخلية والعربية, والاحتمال الاكبر ان يلقى اعلان الدولة كل التأييد الدولي عندها ستجد الولايات المتحدة الامريكية واسرائيل ان من مصلحتهما اعادة النظر في استراتيجيتهما لأن الاستمرار في الردع والضغط يولد الانفجار الداخلي, وهذا مالا تتمناه اسرائىل لانها بحاجة الى استقرار داخلي.. اما اذا اعلن عرفات تأجيل موعد اعلان الدولة, فإنه سيفقد الكثير من بريقه السياسي وستجد المعارضة السياسية على رأسها ـ حماس ـ الفرصة والشرعية التي تستقطب بها الجماهير الفلسطينية لتعبئتها للاستعداد للمواجهة بكل الوسائل بعد ان استنفذت الوسائل الدبلوماسية والسياسية, والحقيقة ان الطرفين الفلسطيني والاسرائيلي يخشيان عودة المواجهة المسلحة لذلك سارعا الى مباشرة المفاوضات من جديد غداة فشل القمة ليس لتقريب وجهات النظر بل للحيلولة دون انفلات الوضع من ايديهم لااكثر ولا اقل, لان المواقف متباعدة كثيرا وكلا الطرفين متمسك بثوابته, فباراك ذهب الى القمة بلاءات اعلنها امام الصحافة وعرفات ذهب الى القمة وهو مستند الى القرارات الدولية وواقع الحال يشير الى ان المرحلة المقبلة خطيرة بكل تداعياتها مما يتطلب موقفا عربيا مؤازرا للمفاوض الفلسطيني الذي يخوض صراعا محموما على صعيد مسار التسوية لا سيما في ظل الانحياز الامريكي الاعمى لصالح الدولة العبرية. كاتب جزائري